غزة حرب عدمية

منذ بداية الحرب وحتّى الآن تجري مناقشات وجدالات ذات طابع سياسي وأخلاقي عن مشروعية الحرب، وخاصّة بالنسبة إلى حركة حماس، إذ إنّها البادئة هذه المرّة، وهذه سابقة تأكدّت معها مشروعية الحرب بناء على منظّرين أخلاقيين في الحرب العادلة، والتي أنزلت بدورها حماس في منزلها السليم “ضحية وليست الجانية”، ومن المهم والعادل أن تدافع الضحية عن أرضها في أيّ وقت وحين. في حوار مع الفيلسوف السياسي الأميركي مايكل والزر عن نظرية الحرب العادلة، يقول “إنها في غاية البساطة؛ ذلك أنّ نظريتي تَنْبَنِي انطلاقا مما أسميه ‘بالماثلة المنزلية’، والتي تبعا لها، إن كُنتُ في نزهة على الطريق وقام شخص ما بالاعتداء عليّ، عندها نكون، بشكل مُصَغَّر، أمام حرب غير عادلة أو ظالمة، أمَّا إن أنا دافعت عن نفسي في مواجهة هذا الاعتداء، فإنّ ذلك هو ما يُشكّل، ودائما على نحو مُصَغَّر، حربا عادلة”. والآن لو قمنا بتوسيع هذين المثالين، سيكون المثال النموذجي لحرب عادلة بين فلسطين وإسرائيل، يقدِّمه البلدُ الذي يدافع عن نفسه في مواجهة اعتداء أو عُدْوان، وبهذا المعنى دافع الفلسطينيون عن أرضهم.
لكن ما لبثت أن نشأت إشكالية أخرى متفرّعة عن مشروعية الحرب؛ وهي: هل تأييد حماس وانتصارها العسكري هو حقيقي أم أنّه محصور بلحظة ما مكثّفة من الزمن ومحشور برقعة أرض معيّنة (غزّة)؟ ننطلق من فرضية مفادها: كلّما طال زمن الحرب واتسعت رقعتها الجغرافية ظهرت الأزمات والشقوق والتفكّك داخل أوساط حماس، ما يدفعنا إلى التساؤل: ماذا لو كان التأييد لحماس والتهليل لانتصارها العسكري حتّى الآن غايته رصّ الصفوف، وإذا ترك الأمر للوقت والمكان كانا عاملين لتفكيك هذه الغاية، فيتحوّل التأييد إلى قنبلة موقوتة!
الإعلام العربي والغربي لا يصوّر سوى مشهدية دعائية للحرب، ولكن المنتج الأصلي أو الحرب الأصيلة لا تحتاج إلى الدعاية والإعلان، بل تحتاج إلى بنى واقعية مبنية على رؤى وأهداف وظروف خاصّة بها
إنّ الإعلام العربي والغربي لا يصوّر سوى مشهدية دعائية للحرب، تحديدا الدعاية الإيجابية أو السلبية، ولكن المنتج الأصلي أو الحرب الأصيلة لا تحتاج إلى الدعاية والإعلان، بل تحتاج إلى بنى واقعية مبنية على رؤى وأهداف وظروف خاصّة بها. يظهر هذا الواقع الذي يعلن انشقاقه عن حركة حماس، وفيه نبرات حادّة تدين الإله نتيجة تأخّر النّصر، وكذلك صرخات امتعاض من القضاء والقدر، وتساؤلات جديّة عن ماهية الصبر والقدرة على التحمّل. هذا الواقع الافتراضي الواقعي أو ما فوق واقعي لا يمكن أن ننكره لأنّه ظهر على صفحات التواصل الغزيّة والفلسطينية، ولطالما كان الإعلام يبالغ بالنصر أو الإخفاق، ولكنّ أدوات التواصل (فيسبوك/ إنستغرام/ تلغرام) وثيقة الصلة بالإنسان؛ دواخله الذهنية والنفسية، لذا كانت لها المصداقية الأكبر، وخاصّة أنّ أدوات التواصل نفسها شقّت طريقها في التأثير في ثورات الربيع العربي، إذ لعبت مواقع التواصل دورا رئيسيا في المناقشات السياسية التي تسبّبت في اندلاع شرارة الربيع العربي ابتداء بتونس مرورا بمصر ثم ليبيا واليمن وباقي الدول، كما لعبت دورا هاما في التعجيل بسقوط نظامين في تونس ومصر، كما ساهمت في التعبئة الاجتماعية والسياسية في سوريا والبحرين.
يطرح هذا الواقع الحرب بشكل آخر بعيدا عن التنظير السياسي والأخلاقي قريبا من الإنسان والمآل الإنساني وسؤال المعنى والإيمان والمصير. يحقن هذا الواقع الصدمة الجماعية للحرب، وكذلك اضطراب الكرب التالي للصدمة، مضخّما القضية الفلسطينية لتنفجر عمّا قريب انفجارا عدميا نيتشويا، ليس في فلسطين فقط بل في العالم العربي كلّه، فكلّ فلسطيني نازح أو لاجئ أو محاصر أو مرابط سيكون عدميا. الأمر يذكّرنا بويلات الحرب العالمية الثانية في أوروبا، التي أنتجت التيّار العدمي من بعدها كردّ فعل على الحرب ونتيجة ذلك تفكّك المجتمع الغربي إلى غير رجعة. صحيح أنّ القضية الفلسطينية تاريخ ممتد على مدى سبعة عقود وليس وليد اللحظة لتنشأ على إثرها ردّة فعل معاكسة، ولكن طوفان الأقصى كان سابقة تاريخية، وهي بالفعل فتح نيران الحرب وطوفان الدّم، لذا كان فعلا فاعلا أنشأ ردّة فعل فاعلة أيضا.
العدمية المعرفية النيتشوية لدى الفلسطيني لم تغذها الحرب فحسب، بل غذّاها الخذلان العالمي للقضية، فأيّام صدّام والقذافي قد ولّت، وكذلك أيّام القوميات الأوروبية التي قامت الحرب العالمية على أعقابها
هذه العدمية المعرفية النيتشوية لدى الفلسطيني لم تغذها الحرب فحسب، بل غذّاها الخذلان العالمي للقضية، فأيّام صدّام والقذافي قد ولّت، وكذلك أيّام القوميات الأوروبية التي قامت الحرب العالمية على أعقابها، حيث نشأ الولاء للشّعب والدولة والوطن، ولم تعد هناك “أمّة عربية واحدة ذات رسالة خالدة”، أي لم تعد هناك قومية عربية مستندة إلى رؤية أيديولوجية، ولا جامعة عربية مستندة إلى قرارات سياسية – عربية. كما أنّ ليس كل الفلسطينيين على مستوى واحد من النضوج الروحي لتثبّت الحرب من إيمانهم، فهم إنسان بالنهاية، لديه تساؤلات ورؤى مختلفة ومتنوعة، ومن غير الممكن زجّ شعب كامل في إطار النظرية الدينية للحرب، أي أن تفرض الحرب على الفلسطيني تثبيت إيمانه بالقوة.
إنّ ما كشفه طوفان الأقصى ليس الزيف الذي يعتري العالم العربي والغربي على حدّ سواء، بل المسافة بين المثال العربي الإنساني وبين الواقع الحداثي السائل للعالم الجديد، أي الفرق بين الحقيقة والوهم. إذ إنّ الإنسان العربي مازال يعيش في الماضي وفق رؤى ماضوية لا تنسجم وحدود سايكس بيكو القديمة أو المعاصرة أو المعاد رسمها. كشف الطوفان هذه الماضوية، وفكّكها قطبة قطبة، ليكون الإنسان العربي فاقدا للثقة والمعنى والغاية، ومجرّدا من الانتماء، ومغتربا عن أمّته ودولته ووطنه، لأنّه أعطى ولاءه لله والقومية، والتي لم تعد تلك المعادلة فاعلة في الحداثة والحدود السياسية.
هذه الهوة بين الماضوية والحداثوية، بين الحقيقة والوهم، بين الشعب والقومية، بين الدولة والأمّة، تنشئ جيلا غاضبا يتبنّى واقعا عدميا نيتشويا، محوّلا العالم العربي إلى عالم غربي آخر، أو على الأقلّ في طور التغريب، وهم الآن (الغرب) في طور التعريب نتيجة ما عانوه وعاينوه من الفلسفة العدمية، فلا يمكن أن نجعل الإنسان إلها على أيّ حال، ولكن هو تيّار استفاد منه الغرب لعبور أزمة أو صدمة (الحرب العالمية الثانية)، وهذا ما سيشهده المشهد العربي، سنصبح نحن هم، وهم نحن، وهذا من واقع السبق والتأخير للحداثة.
إن الفلسطينيين سينشرون رؤيتهم العدمية على أوسع نطاق عاجلا أم آجلا، وستتجلّى مفاهيم جديدة للقضية، سماتها اللامبالاة وحتّى الكراهية لما ولدته من ويلات وضحايا دون غاية أو هدف أو نتيجة مادية تذكر، وذلك بالنسبة إلى الغزيّ أو الفلسطيني.