هل يعيد الجيش السوداني حساباته في الرهان على روسيا وإيران

لا تقف ارتدادات ما حصل في سوريا والانهيار الدراماتيكي لحكم الرئيس بشار الأسد عند الجغرافيا السورية بل تطال كامل المنطقة ومنها السودان، الذي يشهد هو الآخر حربا مستمرة منذ 2023، شهدت من ضمن أطوارها تدخل لاعبين إقليميين ودوليين بينهم روسيا وإيران.
الخرطوم - ترك الموقف الروسي مما حصل في سوريا تساؤلات عديدة حول انعكاسات ذلك على العلاقة القائمة بين الجيش السوداني وموسكو، ومدى صوابية الرهان عليها. ولم تفعل روسيا الكثير من أجل إنقاذ المستقبل السياسي لحليفها بشار الأسد، وبدت مستسلمة لواقع انهيار حكمه، وكان أقصى ما قدمته هو منحه وعائلته اللجوء.
وتشير دوائر سودانية إلى أن قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان، يمكن أن يواجه المصير نفسه الذي واجهه الأسد، إذا اشتدت عليه ضغوط الدعم السريع، والمعارضة المدنية، وفقد قدرته على الصمود والاستمرار في الحرب.
وتعمّد الجنرال البرهان التسويق لحصوله على دعم من روسيا وإيران، وذلك ضمن أدوات توحي بنجاحه في كسب دعم خارجي يمكن أن يقلب المعادلة لصالحه، وهي الثنائية التي كان الأسد يستقوي بها على المعارضة والقوى الدولية والإقليمية الرافضة لوجوده في السلطة، حتى خذلته موسكو وطهران، ولم يجد فيهما ملاذا يساعده على التصدي.
وتردّد أن البرهان وقع اتفاقيات لتوريد أسلحة من إيران وروسيا لجيشه، وهو ما أدّى لتقدم قواته في بعض الولايات مؤخرا، وقد ساعده التلويح بورقتي روسيا وإيران على المراوغة بشأن الهروب من دعوات وقف إطلاق النار والدخول في عملية سياسية.
وكتب المحلل السياسي السوداني عثمان ميرغني تغريدة على حسابه على فيسبوك، ربط فيها بين السودان وسوريا، وأكد أن “السؤال الذي يعني الشعب السوداني.. ما هو تأثير ما يحدث في سوريا على السودان؟ سلبا أو إيجابا.”
وتابع “من الحكمة أن ينتبه البرهان إلى أنه في مفترق طرق، إما أن يقود مرحلة جديدة للتعافي في السودان بنية خالصة من أجل الوطن ومستقبله أو سيجد نفسه محاصرا بسيناريوهات اليوم التالي، مصلحة السودان الآن صناعة توافق سياسي مع الشعب أولا، الفرصة الآن في يد البرهان.. أن يتغيّر.. أو يُغيّر.”
وكان مساعد قائد الجيش الفريق ياسر العطا أدلى من قبل بتصريحات مفادها أن “روسيا طلبت إقامة محطة للوقود في البحر الأحمر مقابل توفير أسلحة وذخيرة وأن اتفاقيات بهذا الصدد سيتم توقيعها قريبا.”
وقد يظل الموقف الروسي من النظام السوري عالقا في أذهان الأطراف المتصارعة في السودان، لأن عدم المساعدة في إنقاذ نظام الأسد برهنت على أن الضغط على روسيا أو التفاهم معها من قبل القوى الغربية التي تريد إنهاء حرب السودان ليس ببعيد.
كما أن التأكيد الروسي على عدم الاستعداد لدعم الجيش السوري طالما أنه لا يستطيع أن يحقق تقدما على الأرض يؤكد أن موسكو لن تراهن على أوراق خاسرة ودعمها موجه للجهات الرابحة التي تجنبها الانخراط في الصراعات البعيدة عنها جغرافيا.
ويشير دعم موسكو للجيش بعد الوقوف سابقا بجانب الدعم السريع إلى عدم وجود ثوابت لديها في التعامل مع أوضاع السودان، وما يهمّها الحفاظ على مصالحها فقط. علاوة على أن ثنائية موسكو – طهران ليست ذات تأثير كبير في المستقبل، مع حالة التفكك التي أصابت التحالف بينهما في بؤر مختلفة، وضعف إيران وأذرعها في المنطقة، وقطع العديد من خطوط إمداد السلاح إلى أصدقائها.
وقال المحلل السياسي السوداني محمد تورشين إن مسألة تخلي روسيا عن بشار الأسد لم تتضح معالمها حتى الآن بالشكل الكافي، وأن التوجهات الخارجية لموسكو تشير إلى أن الرئيس فلاديمير بوتين حصل على تطمينات بشأن عدم استمرار الحرب في أوكرانيا، مقابل عدم مساعدة بشار الأسد عسكريا.
وأوضح تورشين في تصريحات لـ”العرب” أن روسيا تتمسك بالتواجد في السودان وتسعى لامتلاك قاعدة في البحر الأحمر، لأن الأهمية الإستراتيجية له كبيرة في القارة الأفريقية، خاصة أن لديها انشغالات بدول متباينة في القارة، ما يساعدها على تحقيق انتشار جيوسياسي.
وأشار إلى أن تمسّك الجيش السوداني بالتقارب مع روسيا جاء بعد أن قدم كل ما يمكن تقديمه للولايات المتحدة كي يكون صديقا لها، لكن الاستجابة جاءت محدودة، وفي الكثير من المرات لم تكن المواقف واضحة، ولذلك فإن استخدام حق النقض من قبل روسيا في مجلس الأمن الدولي الشهر الماضي لوقف الحرب والدخول في عملية سياسية كان في صالح الحكومة السودانية التي تدرك أن قوات الدعم السريع تملك تحالفات قوية مع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.
◙ موسكو لن تراهن على أوراق خاسرة ودعمها موجه للجهات الرابحة التي تجنبها الانخراط في الصراعات البعيدة عنها
وشدد محمد تورشين على أن الجيش السوداني لم يتوقع أن تقف موسكو بجانبه في مجلس الأمن، وذلك وفق معلومات مسؤولين سودانيين في الأمم المتحدة، وعبر ذلك عن تحوّل لافت في سياسة روسيا نحو السودان للاستفادة من موارده الطبيعية.
لكن مراقبين يقولون إن هذا الموقف قد لا يتكرر بعد التحولات الكبيرة التي تشهدها المنطقة، وإذا وجدت روسيا طرفا يحقق مصالحها أفضل من البرهان قد تتخلى عنه، ما يجعل الاعتماد عليه مقترنا بالقدرة على السيطرة العسكرية على الأرض، وهي مسألة غير مضمونة في ظل تفوق الدعم السريع وتحكمها في مناطق عديدة في البلاد.
ودعت تنسيقية القوى المدنية والديمقراطية (تقدم) إلى توحيد الجهود الدولية ودمج جميع المنابر التفاوضية الحالية في منبر واحد يتبنى ثلاثة مسارات متزامنة تشمل وقف إطلاق النار، والعملية السياسية، ومعالجة الأزمة الإنسانية للحرب.
وتعهدت التنسيقية، وهي تحالف يضم أكثر من مئة جسم سياسي ومدني، بتبني مسار حوار سياسي يخاطب جذور الأزمة، وأن تحديد أطراف العملية السياسية يجب أن يقوم على معايير محددة، على رأسها أن تكون أطرافها معروفة، ودعت لنزع أيّ شكل من أشكال الشرعية عن الحكومة القائمة والتصدي لها بكافة الوسائل المتاحة.
وتصاعدت حدة المواجهات بين قوات الجيش والدعم السريع في معبر جودة الحدودي مع جنوب السودان أخيرا، وتضاربت الأنباء حول الطرف المسيطر على المعبر الذي يتبع لمحلية الجبلين بولاية النيل الأبيض. ونشرت قوات الدعم السريع مقاطع فيديو أكدت سيطرتها على المعبر، واستعادت السيطرة على بلدة أم القرى التي تبعد نحو 40 كيلومتراً شرق مدينة ود مدني عاصمة ولاية الجزيرة (وسط البلاد).