التكنولوجيا تختصر ثواني تأخير العزف المشترك عبر الإنترنت

يركز موسيقيون مع شركات تكنولوجية كبرى على ابتكار طرق تقنية جديدة لمعالجة إشكالية التأخير في اتصالاتهم عبر الإنترنت. ويستهدف هؤلاء تقليل التأخير بين الصوت الذي يتم إنتاجه وسماعه، والمعروف باسم الكمون أو فترة الانتظار.
ستوكهولم – يتعاون موسيقيون يسعون جاهدين للعمل معا في وئام بينما تفصلهم عمليات الإغلاق بسبب كوفيد – 19 مع شركات التكنولوجيا لاقتطاع أجزاء من الثانية من التأخير في اتصالاتهم عبر الإنترنت، مما يؤدي إلى ابتكارات تتجاوز الموسيقى.
ولإعادة إنشاء تجربة الأداء معا عندما يكون الفنانون والجماهير منفصلين، تم بذل جهد جماعي لتقليل التأخر بين الصوت الذي يتم إنتاجه وسماعه، والمعروف باسم الكمون أو فترة الانتظار.
وفي البروفات لحلاق إشبيلية، وهي أوبرا كوميدية كتبها جواكينو روسيني في 1816، استخدمت أوبرا سان فرانسيسكو نسخة تجريبية من جهاز يسمى ألوها، تطوره “إليك أو إس” ومقرها ستوكهولم بالشراكة مع إريكسون وفودافون وفيريزون.
ويقطع الجهاز بحجم الجيب التأخر من حوالي 600 مللي ثانية، مما يجعل الأداء الصوتي غير متزامن بما يقرب من 20 مللي ثانية، وهو ليس أكبر مما لو كان المؤدون في نفس الغرفة.
وقالت آن ماري ماكينتوش، التي ستشارك في الإنتاج المقرر افتتاحه للجمهور المتباعد اجتماعيا الجمعة “كان ذلك صادما بالنسبة إلي لأن التكنولوجيا تقدمت إلى هذا الحد”.
ومرعوبون من التهابات الحلق، يميل المغنون إلى المعاناة من رهاب الجراثيم مما يجعل التكنولوجيا الرقمية مثل ألوها جذابة مع الجائحة أو من دونها.
وقالت ماكينتوش “يمكنك أن تكون في مكان منفصل وتشارك في بروفة بأمان ولا تقلق بشأن احتمال إصابة شخص آخر بالمرض”.
وفي حين يمكن أن تعمل الابتكارات مثل ألوها مع البنية التحتية الحالية للإنترنت، يمكن أن يحفز طرح الجيل الخامس، الذي يعد بسرعات أكبر من 10 إلى 20 مرة من شبكات الجيل الرابع اللاسلكية، المزيد من التقدم.
وتعتزم شركات مثل إريكسون وفيريزون الاستفادة من الجيل الخامس للتغلب على مشكلة زمن الوصول لمجموعة واسعة من الصناعات.
وتعتبر الجراحة الرقمية والسيارات ذاتية القيادة والألعاب والواقع الافتراضي من المجالات التي يُنتظر أن تستفيد من هذا التطور.
وقالت نيكي بالمر كبيرة مسؤولي تطوير المنتجات في شركة فيريزون “لم نتعمق بعد في مدى التحول الذي ستكون عليه هذه التكنولوجيا”.
وقال ماثيو شيلفوك المدير العام لأوبرا سان فرانسيسكو، إن التكنولوجيا مكنت إنتاج روسيني القادم من أن يكون أكثر تجريبية وتحويل بيئة الكواليس إلى جزء من العرض.
ونظرا لأن المطربين لم يعودوا بحاجة إلى التواجد على خشبة المسرح للغناء معا ويمكن أن يكون الجمهور في أي مكان، فهناك احتمال أن يشارك المتفرجون بغض النظر عن بعدهم، في اللحظات الحية التي تجعل العروض مثيرة.
وقال شيلفوك “أعتقد أن هناك شهية وفضولا جديدين حول المحتوى الرقمي”.
وتأسست إليك على يد ميشيل بنينكاسو، صانع الكمان الذي تدرب في مدرسة متخصصة في كريمونا بإيطاليا. وبدأ العمل في قبو منزله في ستوكهولم منذ حوالي ست سنوات بحلم جعل الموسيقيين متصلين رقميا مثل غيرهم من المحترفين.
وقال “ما أخبرنا به الوباء ولا يزال يخبرنا أن الوقت حان للموسيقى والموسيقيين للانتقال إلى العالم الرقمي. ويكمن الهدف النهائي في إشراك قاعدة المعجبين بطريقة جديدة تماما”.
الجراحة عن بعد
في حين أن العديد من الموسيقيين يتوقون للعودة إلى العروض في قاعات الحفلات الموسيقية المزدحمة، قال بنينكاسو إن فوائد تقليل زمن الوصول إلى المستويات التي شوهدت عندما يكون المؤدون في نفس الغرفة ستظهر لفترة طويلة بعد انتهاء عمليات إغلاق كوفيد – 19.
وعلى سبيل المثال، يمكن أن يخفض انبعاثات الكربون بالإضافة إلى الميزانيات عن طريق تقليل الرحلات، والسماح للجماهير بالعزف مع الموسيقيين المحترفين بطرق مبتكرة.
وقال بنينكاسو إنه كان يعمل مع فرق موسيقية كبرى من خارج مجال الموسيقى الكلاسيكية، لكنه لم يستطع تسميتها بسبب اتفاقيات السرية.
وقال إن تجارب أوبرا سان فرانسيسكو وضعت ألوها على المسار الصحيح للإصدار التجاري في أكتوبر.
وبالإضافة إلى الموسيقى، من المرجح أن يكون التغيير المبكر المدفوع بشبكات الجيل الخامس في مجال الترفيه والتسلية، حيث يمكن أن تستخدم المتنزهات ومراكز التسوق شبكات زمن انتقال منخفض لتوفير تجربة واقع معزز للزوار.
وبالإضافة إلى المستقبل، يهدف المطورون للوصول
إلى زمن انتقال دقيق ومستقر بما يكفي لتمكين الجراح من إجراء عملية على مسافة كبيرة من المريض، باستخدام أذرع آلية.
وفي هذا السيناريو يمكن أن يكون أي تأخر مسألة حياة أو موت.
وقال جان سوديرستروم رئيس مكتب التكنولوجيا في إريكسون في وادي السيليكون “لا يمكن أن يكون هناك تغيير مفاجئ عندما تقوم بمناورة حاسمة”.
وهناك أيضا مسألة كيفية تنظيم كل هذا، وهو ما يعني على الأرجح تقسيم الشبكة بحيث قد يدفع الجراحون أو الموسيقيون الذين يكتسي التوقيت بالنسبة إليهم أهمية أكبر مقابل ضمان زمن تأخير منخفض ومستقر.
وقال سوديرستروم “هذا ليس متوفرا حاليا ولكن هذا هو المسار والنموذج الذي نتوقعه”.
وفرض الوباء بالفعل انقلابات كبيرة في طبيعة العمل في القطاعات الاقتصادية، حيث أصبحت معظم الأعمال تتم عن بعد، وتغيرت خارطة سلاسل التصنيع والتوريد والخدمات اللوجيستية وبدأت تفرض وضع خطط جديدة للتأقلم مع الوباء ورسم سيناريوهات ما بعد كورونا.
وتغيرت خارطة ودور المؤتمرات والاجتماعات والمعارض، التي كانت تقوم بدور حاسم في تبادل الابتكارات وعقد الشراكات، وهو ما يفرض إيجاد بدائل لتعويض تلك الأدوار.
ووجدت بعض قطاعات التكنولوجيا فرصة للاستجابة إلى خدمات جديدة مثل المراقبة وتقديم الخدمات الصحية عن بعد، وتضاعفت معها الحاجة إلى الحلول الذكية وتسريع نشر الجيل الخامس للاتصالات للاستجابة إلى الحاجة المتزايدة لنقل كميات أكبر من البيانات بسرعة وموثوقية عالية.
إريكسون وفيريزون تعتزمان الاستفادة من الجيل الخامس للتغلب على مشكلة زمن الوصول لمجموعة من الصناعات
وتسبب انتشار فايروس كورونا في إلغاء العديد من أهم المؤتمرات التقنية الأساسية في قطاع التكنولوجيا، مما أدى على الأرجح إلى ضياع العديد من فرص الشراكة.
وتشير دراسة بزنس انسايدر إلى أن من أبرز الأحداث التي ألغيت كان المؤتمر العالمي للجوال، الذي كان من المقرر عقده بين 24 و27 فبراير في برشلونة، بسبب مخاوف بشأن انتشار الوباء.
ويعد ذلك المؤتمر حدثا أساسيا في صناعة الاتصالات، حيث يجمع أهم الشركات في مكان واحد للتواصل وتبادل الابتكارات وإقامة شراكات تجارية جديدة.
وقامت العديد من الشركات بإعادة جدولة مواعيد طرح ما كانت تعتزم طرحه في المؤتمر، لكن استمرار تفشي فايروس كورونا دفع شركات إلى إلغائها تماما.
وأعلنت فيسبوك عن إلغاء مؤتمر مطوري “أف 8” وقمة التسويق العالمية، في حين حولت غوغل “غوغل كلاود نكست” إلى الإنترنت فقط. واضطرت شركة “آي.بي.أم” أيضا إلى بث مؤتمر مطوريها الذي استضاف العام الماضي أكثر 30 ألف زائر.
أوبرا سان فرانسيسكو استخدمت نسخة تجريبية من جهاز يسمى ألوها تطوره «إليك أو إس» ومقرها ستوكهولم بالشراكة مع إريكسون وفودافون وفيريزون
وبلغت الخسائر الاقتصادية المباشرة لإلغاء الأحداث التقنية الكبرى أكثر من مليار دولار، وفقا لتقديرات مؤسسة بريدكت أتش.كيو.
ومع أن البدائل عبر الإنترنت ساعدت في الحد من تداعيات المؤتمرات الملغاة، إلا أن صناعة التكنولوجيا من المرجح أن تواصل المعاناة من فقدان فرص اللقاءات المباشرة.
حتى الآن لا يمكن لمؤتمرات الإنترنت أن توفر ذات الفرص، التي توفرها اللقاءات المباشرة في المؤتمرات التقليدية. وسيكون من الصعب على المشاركين في قمة التسويق العالمية التي تبثها فيسبوك على الإنترنت، تبادل الخبرات بدرجة قريبة من تنظيم الحدث على أرض الواقع.
وبالرغم من صعوبة تحديد قيمة لقاءات المصادفة وجلسات العلاقات العامة غير الرسمية في المؤتمرات، إلا أن تأثير غيابها سيكون كبيرا في جميع الصناعات المتأثرة بانتشار الوباء.
وضاعفت أزمة تفشي فايروس كورونا من تزايد الاهتمام بالتفاعلات عبر الإنترنت، وجعلت الحاجة إلى تقنية الجيل الخامس للاتصالات في صدارة اهتمامات الشركات والدول.
وأصبحت سرعة الاتصالات الفائقة وكثافة نقل البيانات والتفاعل عن بعد تحتل أولوية قصوى مع تزايد الحذر بشأن انتشار الفايروس.
كما أن اتساع تقديم الخدمات الصحية عن بعد وعقد المؤتمرات عبر الإنترنت أصبحت حاسمة بالنسبة إلى الحكومات والشركات، وهو ما يزيد جاذبية انتشار الجيل الخامس للاتصالات، الذي سيضاعف سرعة نقل البيانات العشرات من المرات.
زخم منقطع النظير
تفوق التطبيقات الصحية عن بعد جعل الأطباء قادرين على تشخيص وعلاج المرضى دون الحاجة إلى الاقتراب منهم جسديا. وقد بلغت تلك التطبيقات ذروتها في الصين لمواجهة فايروس كورونا بفضل الجيل الخامس للاتصالات.
ومنذ يناير العام الماضي صممت شركة “زد.تي.إي” لمعدات الاتصالات وشركة تشاينا تلكوم نظاما يعمل بالجيل الخامس يتيح تقديم الاستشارات وتشخيص الفايروس عن بعد من خلال توصيل الأطباء في مستشفى ويست تشاينا إلى 27 مستشفى يعالَج فيها المرضى المصابون.
ونظرا إلى قدرات الجيل الخامس على توسيع نطاق الخبرات والخدمات التي تقدمها المستشفيات، تتوقع بيزنس انسايدر أن تتسابق المستشفيات للاستفادة من المزايا التي يوفرها الجيل الخامس لتوفير هذه الخدمات التي سيتسع استخدامها في أنحاء العالم.
كما أن الشركات زادت من اعتمادها على تطبيقات عقد المؤتمرات مثل زووم ومايكروسوفت تيمز وغوغل هانغ أوت، مع تزايد عمل الموظفين عن بعد بسبب مخاوف تتعلق بالصحة العامة.
ومن المتوقع أن تعزز موجة استخدام هذه التطبيقات خلال تفشي فايروس كورونا من الإقبال على الجيل الخامس للاتصالات في البيوت والمكاتب، حيث أصبحت الشركات تدرك القيمة التي توفرها أدوات المؤتمرات عن بعد.
وسوف تعجز معظم الاتصالات اللاسلكية الحالية عن الاستجابة للحاجات المتنامية، وسيكون الجيل الخامس للاتصالات الحل الوحيد لتقديم اتصال موثوق ودون انقطاع مع قدرة هائلة على نقل البيانات.
وعززت أزمة وباء فايروس كورونا الرهان على الاستثمار في حلول المدن الذكية. ومنحتها زخما جديدا لواصلة النمو بعد أن أثبتت تلك التقنيات أنها أدوات قيمة في إدارة الأزمات.
واستخدمت معظم الدول في جميع أنحاء العالم تكنولوجيا المدن الذكية في محاولات للتخفيف من تأثير فايروس كورونا.
وفي الصين استخدمت الشرطة منذ بدايات تفشي الفايروس طائرات دون طيار مزودة بأجهزة استشعار حرارية لتحديد الأشخاص الذين يعانون من الحمى في الأماكن العامة.
وطورت حكومة كوريا الجنوبية تطبيقا للهواتف الذكية يضع الأفراد الذين يعانون من العزل الذاتي على اتصال دائم مع الأخصائيين، المسؤولين عن تلك الحالات، مما يسمح لهم بالإبلاغ عن تطور حالاتهم المرضية وطرح أي أسئلة يحتاجون إلى إجابة عليها.
وأطلقت الحكومة الأسترالية برنامجا للتواصل والدردشة لمعالجة أسئلة المواطنين وقمع انتشار المعلومات المضللة.
ورغم أن تلك الحلول تبدو مؤقتة ومرتبطة بحالة تفشي الوباء، إلا أنها تمثل أعمدة أساسية لبناء مدن المستقبل الذكية، وأصبحت استثمارا ضروريا لمواجهة الصدمات والأزمات الطارئة.
وتهدف معظم حلول المدن الذكية إلى دعم تسيير العمليات اليومية في المدن. لكن فايروس كورونا أثبت أن هذه البنية التحتية الأساسية، سواء كانت لتعزيز الاتصالات في المدن أو أنظمة المراقبة أو منصات تواصل بين المواطنين، يمكن تكييفها لتلبية احتياجات الدول في أوقات الأزمات.
وتقدر مؤسسة بزنس انسايدر إنتليجنس أن استثمارات المدن الذكية ستقفز إلى 295 مليار دولار بحلول عام 2025، ارتفاعا من 131 مليار دولار في عام 2020.
وإذا أثبتت حلول المدن الذكية أنها أداة فعالة للتخفيف من الوباء، فقد تشعر الحكومات بدرجة أكبر من اليقين في القيام بالمزيد من الاستثمارات في هذه المجالات، الأمر الذي يسرع وتيرة انتشار تلك الحلول في مدن العالم.