جمال السي.آي.أي

هناك شيء ما جميل للغاية في وكالة السي.آي.أي الأميركية؛ جمال لا نقاش فيه. فمثلما يمكن لأرقى الأعمال الفنية أن تثير الدهشة والحيرة والتأمل والتساؤلات دفعة واحدة، فإن هذه المؤسسة تثير الانفعالات نفسها، بزيادة واحدة: الرعب. إنها لوحة ما كان بوسع أكبر فناني التاريخ أن يرسموا مثلها على الإطلاق. ولكنها لوحة مضادة. وجمالها جمال مضاد.
لقد حاول بابلو بيكاسو برسمه للغرنيكا أن يصور آلام وعذابات قصف مدينة غرنيكا في إقليم الباسك خلال الحرب الأهلية الإسبانية، ولكن من سيكون بوسعه أن يوجز في لوحة واحدة العشرات من الحروب الأهلية التي صنعتها هذه المؤسسة، والآلاف من جولات القصف على مدن شتى؟
لا أدري كيف يمكن لمستوى خارق من الجريمة، أن ينتج لوحة خارقة في بشاعتها. ولكنها واقع قائم، ولا أحد قادر -حتى الآن على الأقل- على اختصاره في لوحة. إنها -والحق يقال- أكبر مؤسسة للشر عرفها التاريخ. ومصدر “الجمال” فيها هو أن تاريخها الأسود غير خاف على أحد. ولا يحتاج إلى شهادة من أحد، حتى أنها أمر لا يمكن، ولا بأي صورة من الصور، أن يكون موضع جدل.
إنها مؤسسة بربرية إلى درجة أنها لا تستطيع أن تتحدى نفسها، إلا بالمزيد من المقاصد المتوحشة. وذلك بأن تضيف إلى تاريخها ما يؤكد ذلك التاريخ ويدعمه ويجعله أيقونة لكيف يمكن لمؤسسة أن تخدم مصالح بلد عن طريق الانحطاط الشامل، ليس على المستوى الدولي، بل على كل المستويات الإنسانية، وعلى مستوى كل ما عرفته البشرية من قيم.
والحال، فكلما مرّ على وجودها المزيد من الوقت أضافت قبيحا آخر لجبل القبح الذي يؤلف تاريخها. ولذلك، لا يجب أن يستغرب المرء من هذه المؤسسة أن تفعل أي شيء؛ أن تقتل، وأن تختطف بشرا، وأن تعذبهم في مراكز سرية، وأن ترمي بهم في سجون من دون محاكمة إلى أمد غير محدود، وأن تدفع ضحاياها إلى طلب الموت، لأنه أرحم عليهم من تحقيقات “الإيهام بالغرق”.
لقد نفّذت هذه الوكالة انقلابات في مجموعة ضخمة من البلدان، أسفرت عن مقتل مئات الآلاف من البشر. وأنشأت جمهوريات موز، وأقامت عليها عملاء كانوا من النذالة بحيث أنهم لم يتورعوا عن القيام بأي عمل. وكان انقلاب تشيلي عام 1973 ضد الرئيس المنتخب سلفادور أليندي واحدا من تلك الانقلابات. والكل يعرف ماذا فعل الجنرال اوغستينو بينوشيه بالملايين من أبناء شعبه خدمة لأوامر تلك الوكالة.
لقد أحرق بينوشيه كتبا، وقتل فنانين، وأعدم أدباء، وقطّع أوصالهم (كما حدث مع المغني والمخرج المسرحي فيكتور جارا الذي أطلقت على جسده 44 طلقة)، واختفى في سجونه أكثر من 3 آلاف معتقل، كما تعرّض للتعذيب أكثر من 27 ألف إنسان. ووقفت وكالة السي.آي.أي وراء كل تلك الآلام والعذابات التي ظل التشيليون يعانون منها لـ17 عاما متواصلة.
وتشير اعترافات بعض من شاركوا في ذلك الانقلاب الهمجي، إلى أن ضباط السي.آي. أي كانوا يراقبون كل شيء، بما في ذلك الإعدامات الجماعية للضحايا الذين حشروا في ملاعب كرة القدم، بعد أن ضاقت بهم السجون. وكانت هذه السي.آي.أي هي التي أشرفت على رشوة بينوشيه بالعشرات من الحسابات المصرفية التي فتحت له بأسماء مختلفة في الولايات المتحدة.
هذا مجرّد نموذج واحد، للعشرات من النماذج المماثلة، التي لم تقتصر على أعمال استيلاء غير مشروع على السلطة، بل امتدت إلى اختلاق حروب أهلية ومجازر متواصلة وبناء عصابات تمرّد كان يتم دعمها بالمال والسلاح وتجارة المخدرات. ونيكاراغوا مثال ساطع آخر على ذلك.
لقد دفعت قارة بأسرها، أميركا اللاتينية، الملايين من الضحايا من جراء الجرائم التي دعمتها هذه الوكالة. وكانت سببا لنهب ثرواتها وإفقار شعوبها إلى يوم الناس هذا. جريمة غزو العراق بناء على أكاذيب وافتراءات، مثال ساطع آخر. فهل كان واقع خلو العراق من أسلحة الدمار الشامل خافيا على هذه الوكالة؟
لو أجاب ممثلو هذه الوكالة بـ”نعم” لأقروا أنهم يمثلون أغبى وكالة في التاريخ. ولو أجابوا بـ“لا” لأقرّوا في المقابل بأنهم ارتكبوا جريمة كبرى من أجل أن يحوّلوا هذا البلد إلى حطام شامل. لا سيما وأن هذه الوكالة نفسها هي التي وضعت أسس التمزيق الطائفي، ورعت عملاءها فيه، وظلت تحمي فسادهم، ولعلها فتحت لهم حسابات بعشرات المليارات مما نهبوه، أو تقاسموه مع طهران.
لقد كانت هذه الوكالة مدفوعة بأغراض سياسية، ومصالح شركات، وأطماع إستراتيجية، عندما زوّرت الحقائق المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل في العراق، تلك التي دمرها خبراء الأمم المتحدة بأنفسهم، وبإشراف هذه الوكالة نفسها. وحوّلت وزير خارجية الولايات المتحدة كولن باول إلى أضحوكة أمام سجلات التاريخ عندما دفعته ليخاطب مجلس الأمن الدولي وهو يحمل قارورة زعم أنها تحوي مادة كيميائية تدعى “أنثراكس” تكفي لقتل الملايين من البشر!
كذبة كبيرة، لم تكن لتخرج إلا من وكالة أكاذيب كبيرة.
ولئن أصبح العالم كله يعرف ما تم ارتكابه من جرائم تعذيب واغتصاب للآلاف من الأبرياء في سجن أبوغريب في العراق، فقليل فقط من يعرف أن تلك الأعمال كانت تجري بمعرفة وتشجيع ومراقبة مباشرة من ضباط السي.آي.أي.
وليس من العجيب أبدا أن يختفي كل أثر لهم بعد افتضاح تلك الجرائم التي اقتصرت المحاكمات فيها على بضعة جنود صغار فقط. وكأن السجن كان يُدار من قبلهم فحسب، من دون مسؤولين، ولا مسؤولون فوق أولئك المسؤولين، ولا وزير دفاع استصغر علنا كل جريمة ارتكبت في هذا البلد، لكي لا نقول إنه حرّض عليها وأشرف عليها بنفسه!
اليوم، وبينما تجر خلفها جبلا من سجلات الرعب، فلقد دفعت هذه الوكالة مجلس الشيوخ الأميركي، ليوجه اتهاما لولي العهد السعودي بأنه كان على علم بجريمة مقتل جمال خاشقجي، بقفزة ما كانت لتطال مثيلاتها دونالد رامسفيلد، ولا ديك تشيني صاحب مجزرة “بلاك ووتر”!
المسألة لا تتعلق بـ“تقنيات” مقتل خاشقجي، البشع والمؤسف، ولا حتى بمستوى الابتزاز الذي تقصده تلك الوكالة، ولا الغايات الرخيصة الأخرى. المسألة إنما تتعلق بحقيقة أن هذه الوكالة تخطط لدمار المشروع التنموي الذي نهض به الأمير محمد بن سلمان، وتريد أن تحاصره.
إنه مشروع خلاّق، يدفع إلى تحويل السعودية، باستثمار مواردها ومكانتها الإقليمية والدولية الراهنة، لبناء قوة اقتصادية تعمّ بخيراتها على المنطقة بأسرها. وهو الفرصة الأخيرة، ماديّا وزمنيا، للخروج من قمقم العيش على سلعة واحدة.
هذا هو ما يُرعب وكالة الوحشية التاريخية هذه. وهذا ما تعتبره خطرا. إنها آخر، آخر، بل وآخر، من يمكنه أن يقدّم مواعظ لأي أحد عن أي انتهاك، أو عن حقوق الإنسان. ومن الخير لها أن تدس فمها بالتراب قبل أن تحاول أصلا. على الأقل لكي لا تندلع منه رائحة الجثث. فمن شاء فليصدق الكذّاب، ومن شاء فليتأمل بشاعة اللوحة.