تغييرات داخل بي بي سي عربي تعصف بمستقبل موظفيها

لندن - تتحدث أنباء داخل القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، عن اتجاه للاستغناء عن 13 وظيفة من أصل 24 في الإذاعة العريقة الناطقة باللغة العربية والتي احتفلت قبل أسابيع بالعيد الثمانين لإنشائها.
وتأتي هذه الإجراءات ضمن خطة عامة قد تطال القسم الإنكليزي أيضاً والأقسام الدولية الأخرى، تهدف إلى توفير النفقات، من جانب والحفاظ على مستوى التغطية الإخبارية من جانب آخر، وفق ما أعلنت بي بي سي.
وتعد الخطة بتغييرات كبرى إدارية سببت قلقا لدى كافة العاملين. ورغم أن الخطط المتعلقة بالهيئة ككل تخضع لمعايير شفافة، يشكو العاملون في بي بي سي عربي مما وصفوه بالتخبط والارتجال وغياب الخطط الواضحة والمبررة، ما يشوه أداء أكثر المؤسسات الإعلامية الناطقة بالعربية عراقة.
وينقل عن بعض الأجواء داخل الإذاعة أن الإجراءات التي تتخذ لا تتعلق بتدابير تقشفيّة بالمعنى التقليدي المتعارف عليه، بل تهدد بالإطاحة بموقع الإذاعة داخل المشهد الإعلامي العربي، وبالتالي تغييب “إذاعة لندن” عن المتلقي في العالم العربي.
وتضيف بعض المصادر أن قرار نقل نشرات الأخبار والبرامج الأساسية إلى القاهرة وعمان يعتبر انقلاباً في رسالة الإذاعة لجهة مضمونها المهني المحايد الذي لن تتم المحافظة عليه خارج مدينة البث التاريخية لندن.
وتم التوسع في الأردن بشكل خاص نظرا لأن هناك بنية أساسية متاحة في عمان، والتي تتمثل في استوديوهات الراديو الخاصة ببي بي سي في عمان، علاوة على التوسع في القاهرة التي تضم أصلا مكتبا كبيرا لبي بي سي في المنطقة، وهناك مكتب للإذاعة في بيروت يتم من خلاله أنتاج عدة برامج تلفزيونية، مثل برنامج بي بي سي أكسترا. كما تم افتتاح مكتب لبي بي سي العربية مؤخرا في تونس لدعم تغطية منطقة شمال أفريقيا.
الإجراءات تهدد بالإطاحة بموقع الإذاعة داخل المشهد الإعلامي العربي، وبالتالي تغييب "إذاعة لندن" عن المتلقي العربي
ويتساءل العاملون في إذاعة بي بي سي العربية عن الهدف من جعل الإذاعة تدفع ضريبة عالية داخل التغييرات التي تطال القسم العربي على نحو بالاستغناء عن حوالي 50 بالمئة من العاملين في لندن.
وتقول المعلومات إنه تقرر وقف بعض البرامج غير السياسية في الإذاعة وأن ساعات أساسية من البث ستنقل إلى مصر والأردن بما في ذلك كافة النشرات الإخبارية والبرنامجان الإخباريان العريقان في ذاكرة المستمع العربي، عالم الظهيرة والعالم هذا المساء.
وتضيف المعلومات أن عملية النقل هذه جارية وستنفذ خلال فترة تتراوح بين 6 و9 أشهر.
وتقول مصادر من داخل بي بي سي عربي إن التغييرات تطال قسم التلفزيون أيضا وأنه تم إيقاف عرض برنامجي “حديث الساعة” و”أنا الشاهد”، وأن قرارات أخرى منتظرة قد تطال شبكة البرامج.
وتعتبر هذه المصادر أن التغييرات هدفها تحديث الأداء التلفزيوني وجعله رشيقا متجاوباً مع متطلبات السوق، إلا أن بعض المراقبين يشككون في إمكانية أن تسهم التغييرات في رفع نسب المشاهدة مقارنة بكبريات الفضائيات العربية.
وتسعى بي بي سي عربي إلى تقديم خدمة إخبارية مهنية محايدة وبرامج إعلامية مختلفة عما تقدمه الإخباريات العربية مستندة إلى هويتها البريطانية وكونها غير خاضعة لتمويلات عربية وبالتالي غير خاضعة لأجندات الدول العربية الممولة. غير أن المحطة واجهت انتقادات اتهمتها بالتحيز وعدم المهنية في تناول ملفات حساسة تطال دولا بعينها، فيما اعتبرت هذه الانتقادات أن أداءها الإعلامي مارس ضغوطاً على بعض الدول من ضمن أجندة السياسة البريطانية من جهة، كما من ضمن أجندة بعض العاملين داخل غرفة الأخبار والبرامج السياسية من جهة أخرى.
وسبق أن وعد كريس باتن رئيس مجلس أمناء بي بي سي، بإقناع الحكومة البريطانية بعدم التخلي عن الذراع الدولية للشبكة بي بي سي وورد نيوز. وعدّ اللورد باتن الخدمة العالمية لبي بي سي جزءا مهما من قوة بريطانيا الناعمة، حسب تعبير وزير الخارجية البريطاني. وعبر عن فخره بالخدمة العالمية لهيئة الإذاعة البريطانية، مؤكدا على أهمية حمايتها من قبل وزارة الخارجية البريطانية.
وكان القسم العربي للبي بي سي قد شهد إضرابا في أغسطس من عام 2011 اعتبر الأكبر منذ تأسيسه. وقد اعتبر المضربون أن القسم يعاني من سوء الإدارة والمحسوبية، فيما وصفت إحدى الصحف البريطانية المتخصصة في شؤون الإعلام الإضراب بأنه تعبير عن "حرب أهلية". وأتت التغييرات في السنوات الأخيرة على منصبي مديرين متتاليين للقسم العربي، ليليان لاندور وطارق كفالة ليخلفهما حاليا سمير فرح في هذا المنصب. وعلم في الأيام الأخيرة عن تعيين لاندور مدير لقسم الأخبار الدولية في القناة الرابعة (آي تي أن).
ويتحدث العاملون في القسم العربي عن عملية نزوح جرت في السنوات الأخيرة لعدد كبير من الوجوه الإعلامية والكفاءات التقنية والفنية باتجاه مؤسسات منافسة، وعن أن الأمر ليس سببه المغريات المادية فقط، بل أيضا غياب الرؤية والأفق داخل بي بي سي عربي الذي يدفع العاملين إلى الاختيار بين البدائل المتوفرة.
وتتحدث بعض الأنباء عن أن إدارة القسم العربي ستستغني عن 25 وظيفة، بينها 13 في الإذاعة. ومقابل ذلك فإن الإذاعة ستعلن عن 30 وظيفة جديدة في الأردن والقاهرة وبريطانيا، بما يطرح أسئلة عن طبيعة حركة التسريح والتوظيف المعتمدة.
وتتحدث مصادر نقابية عن أن الإجراءات التي اتخذتها الإدارة أو تخطط لها تحتاج إلى موافقة الجهات النقابية وأن اجتماعاً سيعقد هذا الأسبوع لبحث هذه التطورات وكيفية الرد عليها.
ويؤكد العاملون أن بي بي سي مؤسسة تحترم القانون البريطاني وأنهم سيلجأون إلى هذا القانون لحماية المؤسسة كما حقوقهم داخلها. وتأتي أنباء التغييرات داخل بي بي سي عربي لا سيما داخل القسم الإذاعي متواكبة مع أنباء أخرى عن وقف بث إذاعة “راديو سوا” الأميركية من ضمن التغييرات التي قد تطال أيضا قناة الحرة والحرة العراق في الولايات المتحدة.
ويندرج قرار وقف بث الإذاعة الأميركية الناطقة بالعربية ضمن الخطط التي فرضها المدير الجديد، الدبلوماسي الأميركي السابق ألبرتو فرنانديز، لترشيق الأذرع الإعلامية الأميركية الناطقة باللغة العربية.
ويعتبر المراقبون أن مهمة بي بي سي عربي باتت أكثر تعقيداً في ظل وجود منافسة ليس فقط من قبل الفضائيات العربية، بل من قبل القنوات الأجنبية الناطقة بالعربية مثل “روسيا اليوم” من موسكو و”فرانس 24” من باريس و”دوتشي فيلي” من برلين و”الحرة” من واشنطن.
ويرى هؤلاء أن إعادة التأهيل هي من ضرورات التدابير الآيلة إلى تطوير أداء الإذاعة والتلفزيون، وأن ما تسرّب حاليا من إجراءات يعكس عقلية محاسبية مالية لا تضمن بالضرورة فعالية على مستوى تحسين الكفاءة المهنية ورفع نسب المشاهدة العامة.