مواقع التواصل تحرج الإعلام المصري في قضايا مسكوت عنها

شغلت قضايا فجرتها مواقع التواصل الاجتماعي الرأي العام في مصر الأيام الماضية، وهو ما دفع وسائل الإعلام للتطرق إليها كرد فعل لما أثارته نقاشات واسعة بين المواطنين، وبات من الصعب تجاهلها مع سيل معلومات انتشر إلى جانب تصاعد المطالب باتخاذ إجراءات رسمية للتعامل مع تلك الوقائع.
القاهرة- انتشر على مواقع التواصل الاجتماعي، الاثنين، فيديو للوحة إعلانية بشارع فيصل تضمن صوراً وعبارات مسيئة ضد الرئيس عبدالفتاح السيسي، حملت تحريضا على مؤسسات الدولة، وعجّت مواقع بعبارات تفاعلت مع الصور.
ونفت أجهزة الأمن صحة ما تم تداوله على إحدى الصفحات بمواقع التواصل بشأن إلقاء الأجهزة الأمنية القبض على سودانيين لقيامهم بأعمال مسيئة، وقالت إنه جار اتخاذ الإجراءات القانونية حيال مروّجي تلك الادعاءات.
وبدت قضية التشكيك في الشهادات الجامعية لوزير التعليم الجديد محمد عبداللطيف من القضايا التي أثارها الرأي العام على مواقع التواصل ودفعت الإعلام للتطرق إليها، وبعدها جاءت وفاة اللاعب أحمد رفعت وما تمخض عنها من توجيه اتهامات لبعض الإعلاميين والرياضيين بالتسبب في تدهور وضعه الصحي، وبموجبها تم تسليط الضوء على فساد بعض الاتحادات الرياضية، ومنها اختيار متسابقة في رياضة سباق الدرجات ضمن البعثة الأولمبية المصرية على الرغم من وجود قرار بوقفها عن اللعب، فضلا عن الصوت المرتفع في مشكلة انقطاع الكهرباء وأزمات اللاجئين.
في كل هذه القضايا وجد الإعلام الرسمي نفسه في مأزق، لأن توجهات الرأي العام فرضت عليه التطرق لها دون مشاركة في كشف تفاصيلها التي تشكل أحد أبرز أدواره الرئيسية، وبدت هناك محاولات عديدة لتحسين صورة وسائل الإعلام والتأكيد على أنها لم تتوان في التطرق إلى أيّ منها، لكن الواقع يشير إلى أنها تابعة لما يتم تداوله.
ولعبت مواقع التواصل دوراً في التحقق من صحة ما يتم إثارته من معلومات من عدمه، وعمد البعض إلى استخدام أساليب منهجية مثلما الوضع بالنسبة إلى بعض الصفحات المتخصصة في تدقيق المعلومات المنشورة على مواقع التواصل، ما يشي بأن هذه المواقع تجاوزت دور وسائل الإعلام التي حاولت القيام بمهمة تدقيق المعلومات وتقديمها في سياقها السليم.
وأحرج الجمهور الإعلام الرسمي، لأنه أولى اهتماما بما يتم نشره على مواقع التواصل وتعامل معه باعتباره حقائق وعمل على نشرها في نطاق واسع، وهؤلاء يعتبرون أنفسهم يقومون بدور الإعلام البديل، مع أن هناك الكثير من المنشورات التي يتم تداولها تؤكد ضعف وعي ناشريها، وهو ما قاد وسائل الإعلام للدخول كطرف رئيسي في معادلة توجيه الرأي العام من دون أن تصبح على رأس موجهيه.
وتتفاعل مواقع إلكترونية بشكل أكثر فاعلية مع اهتمامات الجمهور على المنصات الرقمية، لأن العمل وفق تأثيرات “التريند” وارتباط المواقع بالقضايا الأكثر انتشاراً عبر محركات البحث جعلها راغبة في مجاراة ما يحدث، وإن كان يغلب عليها الأداء السطحي، باستثناء بعض المواقع التي تدرك قيمة قدرتها على تدقيق المعلومات.
وقال رئيس اتحاد الإذاعة والتلفزيون المصري الأسبق عصام الأمير إن تجاهل وسائل الإعلام للعديد من القضايا التي تشغل اهتمامات الرأي العام دفعت مواقع التواصل للقيام بهذا الدور، ما يعني التأثير الخطير على اتجاهات الرأي العام، لأن هناك معلومات منتشرة غير صحيحة وأسلوب نقاش يتسم بغياب الوعي أحيانا، لكنها أضحت صوت من يبحثون عن متنفس يتحدثون من خلاله عمّا يشغلهم من اهتمامات.
وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن مواقع التواصل لعبت دوراً في تحريك جهات رسمية نحو اتخاذ قرارات عملت على تهدئة الرأي العام، وتحقق ذلك في واقعة وفاة اللاعب أحمد رفعت ومنع لاعبة سباق الدراجات من تمثيل مصر، ولعبت دوراً إيجابيًا في الكشف عن وقائع فساد لم يتم الإعلان عنها من قبل، وشكلت أحد عوامل الضغط الحقيقي الذي من المفترض أن يقوم به الإعلام الرسمي، ومشكلة مواقع التواصل أنها تخلق نقاشات غير مفيدة مجتمعيًا، وتسهم في التأثير سلبًا على سلوكيات المواطنين.
وأشار الأمير إلى معاناة وسائل الإعلام من قصور في أداء دورها، وأن تعاملها مع الوضع الراهن في حاجة إلى أن تستعيد قوتها في طرح القضايا التي تهم الجمهور، وأن تلعب دورها على أكمل وجه، واستمرارها كرد فعل لما يتم إثارته على مواقع التواصل يجعلها تابعة، ومن ثم يأخذ تأثيرها في التلاشي إلى أن يخفت تمامًا.
ويرى خبراء في مجال الإعلام أنه كلما أضحت الوسيلة تابعة لتوجهات الجمهور على مواقع التواصل بات مقيداً بما تتم إثارته من قضايا قد تستهدف تأليب الرأي العام أو النفخ في مشكلات غير حقيقة في حاجة إلى معالجات سليمة، فانتشار أي وقائع أو فيديوهات مسيئة يأخذ في الانتشار سريعًا وستجد وسائل الإعلام نفسها في مأزق حيال كيفية التعامل مع مثل هذه الوقائع، مثلما الوضع بالنسبة إلى ما حدث بشأن اختراق إحدى اللوحات الإعلانية في شارع فيصل (جنوب القاهرة) أخيرا.
وأكدت الخبيرة الإعلامية عزة هيكل أن وسائل التواصل تقوم بدور بعض الأجهزة الرقابية، وبينها وسائل الإعلام، وبدت وسيلة لقياس اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا المثارة اجتماعيًا، وأن القناعة الشعبية بوجود محاذير على وسائل الإعلام يجعلهم أكثر انجذاباً لها، ما يتطلب تغييراً شاملاً في نهج عمل الإعلام في مصر.
وأوضحت في تصريح لـ”العرب” أن التعامل مع الإعلام باعتباره سلطة رئيسية، كما كان الوضع سابقًا، عملية مطلوب العمل بها الآن، مع ضرورة عدم حصر دوره في نقل المعلومات المتاحة، ومن المهم أن يلعب دورا أكبر تجاه توعية الرأي العام بعيداً عن التوجيهات الخفية لبعض القضايا التي تُثار على مواقع التواصل، وأن التدخل لوقف انجذاب المواطنين إلى إعلام آخر يشكل خطراً على الأمن أمر مطلوب أيضا، ويحدث ذلك من خلال استعادة المهنية الغائبة والاعتماد على قادة رأي من الإعلاميين المدربين جيدا، والتخلص من بعض الأسماء التي أضرت بمهنة الصحافة والإعلام.
ولفتت إلى أن عودة الاعتبار إلى مكانة الإعلام الحكومي أول طريق لتطوير عمل وسائل الإعلام، وعلى الحكومة أن تثبت جديتها الملموسة في إصلاح أوضاع الإعلام وتصبح مسؤولة بشكل مباشر عن القنوات والصحف التي تعبّر عنها، وتترك القطاع الخاص يعمل بحرية، ما يخلق تنوعا يفتقده الإعلام التقليدي في الوقت الحالي.