القاهرة تمتص غضب المواطنين بوعد لمنع الزيادات الجديدة في الأسعار

تحاول الحكومة المصرية تهدئة الرأي العام المحلي بوعده بعدم زيادة الضغوط ذات الارتباط المباشر بالحياة المعيشية، وزيادة الإنفاق على المشروعات التي تهم المواطن البسيط.
القاهرة - استخدمت الحكومة المصرية خطابا جديدا لتهدئة الرأي العام منذ أن ظهرت بوادر غضب من زيادة الأسعار، ما يشير إلى إدراكها خطورة تنامي هذا الشعور على سلوكيات بعض المواطنين، وتسعى للوصول إلى هدوء يُمكنها من اتخاذ المزيد من الإجراءات الاقتصادية الإصلاحية التي تسعى للاتفاق عليها مع صندوق النقد الدولي، حيث يُجري مراجعته الرابعة بشأن القرض المقدم إلى مصر حاليا.
وتعهد رئيس الحكومة مصطفى مدبولي الأربعاء بعدم إضافة أعباء جديدة على عاتق المواطنين في الفترة المقبلة، وأن صندوق النقد يتفهم ذلك، في إشارة إلى أن توجه الحكومة يحظى بتفهم منه، مع استعداده لصرف شريحة جديدة من قرضه للقاهرة.
وأعاد مدبولي استخدام عبارات مطمئنة، للتأكيد على أن حكومته تركز على تقليل الضغوط الملقاة على كاهل المواطنين واحتواء آثار التضخم، بما يحقق استقرارا معيشيا ويدعم القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية في سياق نمو اقتصادي شامل ومستدام.
ووعدت الحكومة بزيادة إنفاقها على المشروعات التي تهم المواطن البسيط، وسيكون هناك استقرار في أسعار السلع، ما من شأنه أن يخلق فرص عمل كبيرة خلال الفترة المقبلة.
وتهدف الحكومة المصرية إلى إقناع الرأي العام المحلي بأنها جادة في ما تتحدث عنه بشأن التخفيف من حدة الضغوط ذات الارتباط المباشر بالحياة المعيشية، لكن لم تحدد ما إذا كان ذلك توجها مؤقتا ثم تعود مرة أخرى إلى سياسات التقشف الاقتصادي ورفع الدعم عن السلع الرئيسية والخدمات، أم أنه سياسة جديدة تلتزم بها وفق خطط اقتصادية مدروسة، ما يجعل تأثير التصريحات الأخيرة لا يلقى اهتماما من قبل غالبية المواطنين.
وتحاول دوائر رسمية اللعب على حبال مختلفة بما يحافظ على الاستقرار الداخلي، إذ أن الحكومة تُبدي تراجعا عن قراراتها التي ضاعفت الأعباء على كاهل المواطنين، لكنها تدرك أنها تسير في طريق يصعب التراجع عن السير فيه، ما يساعدها على جذب المزيد من المساعدات الخارجية والحصول على ثقة الجهات المانحة.
وتعمل جهات رسمية بشكل مستمر على الموازنة بين الحفاظ على وضعية تضمن فيها عدم خروج الغضب عن إطار التنفيس الكلامي، وبين العمل على تخفيفه كلما اقتضت الحاجة، كما تمارس ضغطا موازيا على صندوق النقد للتخفيف من شروطه القاسية، وتدرك أن الخروج من الإحباط أو الصدام مع صندوق النقد له مخاطر، تحاول التعامل معها بحكمة.
وأثار قرار أصدرته الحكومة المصرية برفع أسعار الوقود والمحروقات بنسبة تصل إلى 17.5 في المئة مؤخرا، استياء شعبيا لانعكاسه على أسعار الكثير من السلع، وبلغ معدل التضخم السنوي في سبتمبر الماضي 26.4 في المئة.
وقالت فريدة النقاش، العضو في مجلس الشيوخ وعضو حزب التجمع اليساري، إن “رئيس الحكومة يسعى لتنفيذ وعوده، لأن الغضب الشعبي يمكن أن يتطور إلى ما لا تُحمد عقباه، وعلى السلطة أن تكون أكثر اجتهادا لتصبح الأوضاع أكثر استقرارا، وهي قادرة، لأن الحكومة تمتلك جميع الإمكانيات ومعها وسائل إعلام تسوّق لقراراتها”.
وأوضحت في تصريح لـ”العرب” أن “مسألة السير في عملية خفض الدعم بحاجة إلى نقاشات مع الأحزاب والنقابات ومنظمات المجتمع المدني، لأن إقدام الحكومات المتتابعة على عملية الخفض التدريجي لم يعد يلاقي قبولا مع ارتفاع أسعار السلع والخدمات بمعدلات كبيرة، ما ترتب عليه فقدان الثقة في بعض التصريحات التي تُطلقها الحكومة، بعد أن أصبحت الحياة المعيشية صعبة للغاية”.
ويتطلب الإحباط الذي أصاب قطاعا من المواطنين بسبب ارتفاع الأسعار وانهيار قيمة مدخراتهم ورواتبهم إجراءات غير تقليدية، بعيدا عن التصريحات الوردية التي لا تحقق مردودا إيجابيا، لأن المواطنين يرغبون في رؤية الحكومة تُعدل سياساتها، وتخفف فعلا الأعباء عن كاهلهم.
ويتطلع مصريون إلى أن تتجه الحكومة نحو دعم الإنتاج المحلي في الزراعة والصناعة، وينادون بالتوقف عن الاقتراض، وينتظرون قرارات أكثر حكمة بشأن دعم سياسات الأمان الاجتماعي في ضوء ارتفاع الأسعار وانخفاض القيمة الشرائية للجنيه.
وقد يُحقق جزء من قرارات الحكومة هذه الأهداف، لكن ذلك لا ينعكس أثره على المواطن، وثمة قناعة بأن الروتين الرسمي وعدم الاتجاه مباشرة نحو تنفيذ سياسات واضحة لدعم الاقتصاد الوطني يبددان قرارات دعم هذه الأهداف.
وسعى مدبولي لطمأنة المصريين بتأكيده أن “برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد وضعته الدولة، وتم التوافق عليه مع الصندوق، وعندما بدأ البرنامج كانت الأوضاع مختلفة، ومن أجل ذلك كانت توجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي بمراجعة مستهدفات وتوقيتات البرنامج في ضوء المستجدات، وهذا ما تم أثناء زيارة مديرة الصندوق لمصر مطلع هذا الأسبوع”.
وذكر رئيس مجلس أمناء الحركة المدنية الديمقراطية (معارضة) مدحت الزاهد أن تصريحات رئيس الحكومة “روتينية، وتتكرر في أوقات الأزمات، ولا يضمن تنفيذ وعوده، وليس لديه الأدوات التي تُمكنه من ذلك، لأن الأمر يرتبط بإدخال تعديلات شاملة على سياسات الحكومة، وهذا لم يتحقق بعد، وأقصى ما يمكن فعله هو تأجيل القرارات التي تُضيف الأعباء، مثل أن تنعقد لجنة تسعير المواد البترولية كل ستة أشهر بدلاً من ثلاثة”.
وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن “سيطرة الحكومة على الأسعار تتطلب التوصل إلى اتفاق مباشر مع صندوق النقد يضمن حضورها في الجوانب المجتمعية المؤثرة على حياة المواطنين، وعدم الانسحاب منها، وتعزيز الدور الاجتماعي للدولة، والاتفاق على برنامج لدعم القدرات الإنتاجية للاقتصاد الوطني، بما يوفر احتياجات مصر من الصناعة المحلية، واتخاذ قرارات من شأنها السيطرة على الأسواق بدلا من الاعتماد على سياسة مقاطعة السلع التي يرتفع سعرها”.
وشدد الزاهد على أن تعزيز الرقابة الشعبية على الأسواق وقرارات الحكومة يجب أن يتصدر الاهتمامات في الوقت الحالي، وهي خطوات ترتبط بملف الديمقراطية وفسح المجال السياسي. والتعامل مع التجار الجشعين بحاجة إلى تعزيز أدوار جمعيات حماية المستهلك ودعم أدوات المجتمع المدني في هذا المجال، بدلا من اتجاه المواطنين إلى حل أزماتهم على حساب أقرانهم، ما يضرب أفكار تطبيق القانون والعدالة في مقتل. وإحياء القيم الديمقراطية مطلوب لمساعدة الحكومة إذا كانت لديها رغبة في تخفيف الأعباء عن المواطنين.