أي مصير ينتظر السجناء والمحتجزين السياسيين في ليبيا

اعتبر ناشطون حقوقيون ومراقبون سياسيون أن الإفراج عن السجناء والأسرى في ليبيا يشكّل أبرز تحدّ أمام السلطات الجديدة كونه يمثل حجر أساس لإعادة بناء جسور الثقة بين الأطراف الليبية سواء الموالية للنظام السابق أو من شبت بينها صراعات دموية خلال السنوات الماضية، كما أنه يمثل اختبارا حقيقيا للمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة في مواجهة نفوذ الميليشيات بالمنطقة الغربية.
تونس - تعتبر قضية السجناء والأسرى والمحتجزين في ليبيا أحد أهم الملفات الحارقة أمام حكومة الوحدة الوطنية، إلى درجة أن البعض اعتبره من مفاتيح المرحلة القادمة كونه نقطة ارتكاز لأية مساع لتحقيق المصالحة الشاملة بتفرعاتها المختلفة بين السبتمبريين والفبرايريين وبين الميليشيات والمجتمع وبين السلطات التي كانت منقسمة بين شرق البلاد وغربها.
ومنذ تولي السلطات الجديدة مهامها ظهرت تحركات للإسراع في تسوية الملف، في ظل الضغوط الدولية التي تقودها الأمم المتحدة إلى جانب ضغوط المنظمات الحقوقية الدولية، لأن ترك الأوضاع على ما هي عليه قد يزيد من تعقيد المشكلة، لكنه في المقابل سيبرز مدى جدية الليبيين في مساعيهم لبناء دولتهم الجديدة.
مساع لتسوية الملف
في الأسبوع الماضي كشفت وزيرة العدل حليمة عبدالرحمن عن وجود مساعٍ لتشكيل لجنة بمشاركة دولية للإفراج عن المحتجزين في سجون غير نظامية. وقالت حينها إن تشكيلها “سيتم في غضون أسبوعين لحث الجهات غير الخاضعة للدولة على إطلاق سراح المعتقلين”.
ودعت عبدالرحمن كل الجهات غير المعترف بها في الدولة إلى الإفراج السريع غير المشروط عن المواطنين المسجونين من دون وجه حق وبلا أية تهم أو أوامر قبض بحقهم.
واعتبر الكثيرون تصريح الوزيرة بادرة جيدة في الاتجاه السليم، تزامنت مع ارتفاع الأصوات الداعية إلى الإفراج عن السجناء والأسرى سواء من رموز النظام السابق أو من القابعين في معتقلات تابعة للميليشيات أو من المحتجزين نتيجة مشاركتهم في الحرب الأخيرة، والتي ترى ذلك مسؤولية ملقاة على عاتق حكومة الوحدة الوطنية التي أكدت أن أولوياتها العمل على تحقيق المصالحة بين أبناء الشعب الليبي وطي صفحة الماضي.
ومن وجهة نظر عضو مجلس النواب مصباح دومة أن أول خطوة لتحقيق المصالحة الشاملة في ليبيا هي العمل على تسوية ملف السجناء. وقال إن “إطلاق سراح المسجونين الليبيين سواء خارج إطار القانون أو من لهم حكم براءة ومن تحتجزهم دول لغرض الابتزاز أول خطوة في المصالحة الشاملة وحفظ كرامة المواطن الليبي”.
كما أن عمر القويري، رئيس هيئة الإعلام والثقافة والآثار الأسبق بالحكومة الليبية، يعتقد أنه من الضروري فتح ملف المعتقلين داخل سجن معيتيقة وخضوعه لرقابة محلية ودولية، وأن تضع وزارة العدل رقم هاتف لتلقي الشكاوى وتسجيل حالات الخطف والسجن دون محاكمة أو وجه قانوني.
أرقام أممية حول المحتجزين في ليبيا
- 8850 شخصا محتجزون تعسفيا في 28 سجنا رسميا
- 70 في المئة من هؤلاء رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة
- 10 آلاف شخص محتجزون لدى الميليشيات والجماعات المسلحة
- 480 امرأة من بين هؤلاء، منهن 184 أجنبية، بالإضافة إلى 63 طفلا
لكن المشكلة الأبرز تكمن في مراكز الاحتجاز الخاضعة للميليشيات. فمثلا، يخضع سجن معيتيقة بالعاصمة الليبية طرابلس، الذي يعتبر من أبرز السجون سيئة السمعة بغرب البلاد، لسيطرة ميليشيا “الردع الخاصة” بقيادة المتشدد عبدالرؤوف كاره.
ولذلك يشدد القويري على “إبعاد أصحاب اللحى عن إدارة السجون والسيطرة عليها ومحاولة ترويج أفكارهم بين السجناء بالضغط والإكراه وأنه يجب إخضاع السجون لرقابة صارمة والإفراج عن المعتقلين من سجون الميليشيات والعصابات التي تتخفى خلف شعارات وهمية وشكلية في تبعيتها للدولة”.
وكانت البعثة الأممية قد دعت السلطات الليبية الجديدة إلى إعطاء الأولوية للإفراج عن جميع الأشخاص المحتجزين بشكل غير قانوني في ليبيا سواء في مراكز الاحتجاز الرسمية أو في أماكن الاحتجاز السرية التي تديرها جماعات مسلحة.
ووفق ما ورد في أول إحاطة قدمها المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة ورئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا يان كوبيش، منذ تولي مهامه، أمام مجلس الأمن فإن “الاحتجاز التعسفي في ليبيا لا يزال يشكل مصدر قلق بالغ”.
وتشير التقديرات، التي رصدها تقرير قدمه الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش لمجلس الأمن العام الماضي، إلى أن أكثر من 8850 شخصاً تم احتجازهم تعسفياً في 28 سجنا تحت إشراف السلطات الرسمية، أي لدى الشرطة القضائية، حيث يقدر أن ما بين 60 إلى 70 في المئة منهم رهن الاحتجاز السابق للمحاكمة.
وبالإضافة إلى ذلك يقبع قرابة عشرة آلاف آخرين في مراكز احتجاز خاضعة لسلطة الميليشيات والجماعات المسلحة، بينهم 480 امرأة، منهن 184 امرأة أجنبية، بالإضافة إلى 63 طفلا.
ولا تزال البعثة الأممية إلى ليبيا تتلقى تقارير موثوقة عن الاحتجاز التعسفي وغير القانوني والتعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون والحرمان من زيارات الأسر والمحامين والحرمان من إمكانية اللجوء إلى القضاء.
ضغوط مكثفة
خلال الفترة الماضية كثفت قوى اجتماعية، مثل رابطة شباب قبيلة القذاذفة في المنطقة الوسطى وأيضا أبناء مدينة سرت، وأيضا قوى سياسية ليبية من ضغوطها مطالبة السلطات الجديدة بتنفيذ قانون العفو العام الذي أقره مجلس النواب في 2015.
ويمنح القانون في أول بنوده، وعددها 11 بندا، “جميع الليبيين” الحق في العفو العام عن الجرائم المرتكبة خلال الفترة من الخامس من فبراير 2011 حتى صدور القانون، وانقضاء الدعوة الجنائية بشأنها وإسقاط العقوبات المحكوم بها والآثار الجنائية المترتبة عليها ومحوها من سجل السوابق الجنائية للمشمول بالعفو متى انطبقت عليه الشروط المحددة.
ويشترط البند الثاني على المشمولين بالعفو العام التعهد كتابيا بالتوبة وعدم العودة إلى الإجرام، ولا يلتزم التعهد في المخالفات أو الجنح التي يعاقب عليها بالغرامة فقط، واشترط رد المال محل الجريمة في جرائم الأموال.
كما أشار هذا البند إلى أن أولوية العفو من قبل ولي الدم أو التصالح مع المجني عليه حسب الأحوال، وكذلك تسليم الأسلحة والأدوات محل الجريمة أو التي استعملت في ارتكابها، وإعادة الشيء إلى أصله في جرائم الاعتداء على العقارات أو الممتلكات الخاصة.
أطراف اجتماعية وسياسية ليبية ترى في تطبيق قانون العفو العام الصادر في 2015 مفتاحا رئيسيا لملف المعتقلين
ومع ذلك هناك من يعتبر أن الإبقاء على السجناء والأسرى والمحتجزين داخل السجون والمعتقلات لأسباب سياسية أو في إطار تصفية الحسابات بين القوى المتنازعة،أو في إطار الاحتجاز على الهوية القبلية أو الجهوية، وعدم تنفيذ أحكام القرار ورفض التفاعل مع قانون العفو العام، يهدف إلى توفير ضمانات لصفقة شاملة يستفيد منها أمراء الحرب وقادة الميليشيات ممن تورطوا في سفك دماء الليبيين ونهب المال العام خلال السنوات العشر الماضية.
ويشير مراقبون إلى وجود عدد من الموالين للنظام السابق ممن برأهم القضاء نهائيا من التهم المنسوبة إليهم، لكن الميليشيات رفضت الإفراج عنهم بهدف محاولات المساومة بحريتهم مع قبائلهم، والتي يتزعمها قياديون من جماعة الإخوان وزعماء جهويون وخاصة من مدينة مصراتة.
ومن بين هؤلاء الساعدي معمر القذافي الذي برأته المحكمة من تهمة القتل العمد في أبريل 2018، ورغم ذلك لا يزال محتجزا منذ تسلمه من النيجر في مارس 2014، وأيضا عبدالله منصور مدير الأمن الداخلي في عهد القذافي، الذي لا يزال قابعا في السجن منذ 7 سنوات، رغم أن الدائرة الجنائية بمحكمة استئناف طرابلس برأته في فبراير 2020 من تهم تتعلق بأحداث فبراير 2011.
وكذلك هناك من تم اتهامهم بالتورط في قضية سجن أبوسليم وقضت الدائرة التاسعة في محكمة استئناف طرابلس في ديسمبر 2019 بإسقاط التهمة عنهم لانقضاء مدة الخصومة.
وفي فبراير الماضي أكد تقرير منظمة العفو الدولية أن الميليشيات والجماعات المسلحة وقوات الأمن واصلت احتجاز آلاف الأشخاص تعسفيا. وكان الكثير من المعتقلين قد احتجزوا منذ عام 2011، واحتُجز معظمهم إلى أجل غير مسمى دون إشراف قضائي أو إمكانية الطعن في قانونية الاحتجاز.
واستشهد التقرير بسجن معيتيقة حيث تم احتجاز مئات المعتقلين إلى أجل غير مسمى دون أي إجراءات قضائية، ووُضعُوا في زنازين مكتظَّة دون ما يكفي من الطعام أو الماء، وحُرموا من الحصول على الخدمات الطبية.