السلطات التونسية تفتح ملف إصلاح التعليم

تونس - طرحت خطوات فتح ملف التعليم وإصلاح واقع المؤسسات التربوية العمومية في تونس تساؤلات لدى المراقبين تتعلق بالسبل الكفيلة لمعالجة المشكلة، وسط مطالب بإشراك مختلف الأطراف المشرفة على قطاع التعليم، فضلا عن وضع خطط ورؤى مستقبلية ومراجعة البرامج البيداغوجية وتعديل الزمن المدرسي.
وأكّد وزير التربية فتحي السلاوتي الجمعة أنّ وضعية المدرسة العمومية في حاجة إلى إصلاح جذري وشامل، مشيرا إلى أنّ برامج سنة 2002 لم تعد متماشية مع العصر، وإلى ضرورة مراجعتها والتخفيض في عدد الكتب وفي الزمن المدرسي، مؤكدا أن “الوزارة ستستعين بالاستبيانات حتى يتم إشراك الجميع في الإصلاح”.
وقال السلاوتي في تصريح لإذاعة محلية “التعليم بكل مراحله في حاجة إلى أن يتطور وإلى مواكبة العصر، وضعية المدرسة العمومية في تونس اليوم لا يمكن أن تحتمل الوقوف على الربوة، ويجب إحداث إصلاح جذري وشامل للمنظومة وهناك تجارب فشلت في آخر لحظة سنة 2015”.
وأضاف “اتفقنا على أن برامج 2002 لم تعد متماشية مع الواقع بالمرّة لأنّها لا تجذب التلميذ، وأنها حشو للأدمغة وتفتقر إلى مشكلة تغير المناخ والبيئة وقيم المواطنة والديمقراطية مثلا بما يكفي وتفتقر أيضا إلى مسائل علمية تتعلق بالتكنولوجيا”.

وشدد السلاوتي على أن الإصلاح التربوي شأن مجتمعي مشيرا إلى أنه “سيتم اللجوء إلى استبيانات بهدف تشريك الجميع”. وتابع “ستنفتح الوزارة على خبراء لإنجاز برنامج الإصلاح ولن تستثني أية فكرة بإمكانها الإسهام في الارتقاء بمردودية التلميذ”، داعيا الجميع إلى تقديم المساعدة من أجل النهوض بالمدرسة العمومية.
ويرى مراقبون أن عملية إصلاح القطاع الحيوي في تونس تستدعي وضع آليات وبرامج برؤية مستقبلية واضحة، فضلا عن تنظيم حوار حقيقي حول المسألة يعالج مختلف الجوانب المتداخلة في العملية التربوية.
وأفاد عامر الجريدي كاتب عام المنظمة التونسية للتربية والأسرة أن “السبيل الذي انتهجه وزير التربية صحيح ومرحب به، لكن الاستشارة حول إصلاح المنظومة تتطلب مشاركة كل الأطراف الفاعلة في الدولة والمجتمع”.
وأضاف لـ”العرب” أنه “من الضروري أن يتم بعد الاستشارة تحديد رؤية مجتمعية ورؤية للمدرسة التي تنتج مواطنا في غياب منوال تنموي واقتصادي”.
وطالب الجريدي بـ”مراجعة مسألة علاقة الآباء بالمؤسسة التربوية، وتفعيل المجلس الأعلى للتربية حتى تأخذ عملية الإصلاح صبغة رسمية وشاملة”.
وإثر صدور قائمة بأفضل الأنظمة التعليمية في العالم حلّت تونس في المركز الرابع والثمانين عالميا والسابع عربيا في مؤشر جودة التعليم ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﺍﻟﺼﺎﺩﺭ ﻋﻦ المنتدى الاﻗﺘﺼﺎﺩﻱ ﺍﻟﻌﺎﻟﻤﻲ ﻓﻲ دافوس لسنة 2021.
وتعتبر أوساط سياسية أن إصلاح واقع التعليم المتردي يبدأ عبر مراجعة الزمن المدرسي وتحيينه، ومراجعة الحياة العامة داخل المؤسسة التربوية في مستوى المعاملات والعلاقات والأنشطة المعرفية والترفيهية، علاوة على ضرورة تخصيص موازنات مالية هامة لذلك.
واعتبر السياسي ووزير التربية الأسبق ناجي جلول أن “رئيسة الحكومة نجلاء بودن أمام فرصة تاريخية لاعتماد المراسيم في الإصلاحات التربوية”، قائلا “المشكلة الأساسية هي ضعف المكونين”.
وصرّح لـ”العرب” أنه “لا يمكن إصلاح التعليم بميزانية تخصص 97 في المئة منها للرواتب، وتمّ إلغاء الدور التربوي للمعلمين والأساتذة، علاوة على غياب التجديد البيداغوجي المعتمد أساسا على تلقين المعارف”.

وأشار جلول إلى “ضرورة مراجعة الزمن المدرسي لأن التلميذ غير قادر على الدراسة بصفة مسترسلة لأكثر من ستّة أسابيع مع غياب الأنشطة الثقافية والترفيهية”.
واستطرد “التعليم التونسي تنخره الانتماءات الأيديولوجية”.
ويحاول الأولياء من حين إلى آخر الضغط من أجل دفع السلطات نحو التسريع في إصلاح المناهج التربوية، وفسح المجال أمام التلاميذ لاكتساب مهارات بالإضافة إلى الدروس التي يتلقونها.
ويشكو أولياء التلاميذ والكادر التعليمي من كثافة المناهج التربوية وطولها، فضلاً عن عدم تحديث العديد من الكتب المدرسية منذ مدة، ما يجعل موادها متأخرة عن واقع يعيشه التلاميذ عبر وسائط التعليم الأخرى.
وكان الرئيس قيس سعيّد قد أطلق في السابق وابلا من الانتقادات إزاء السياسات التي تم اتباعها خلال العشرية الماضية بشأن التعليم.
وخلال استقباله لوزير التربية فتحي السلاوتي قال سعيّد إن “من أكبر الجرائم التي ارتكبت في حق تونس ضرب التعليم”، داعيا إلى القيام بإصلاح جذري للمنظومة التعليمية، وهي من المرات النادرة التي يتطرق فيها الرئيس سعيّد إلى هذه العملية بعد توليه الرئاسة عام 2019.
وظلّ إصلاح التعليم في تونس في قلب الصراع السياسي، وظهر في معظم الإصلاحات التربوية بعد الاستقلال، سواء في رهان توحيد التعليم أو في السؤال عن لغة التعليم بين التعريب وثنائية اللسان، وصولاً إلى البرامج، وخاصة تلك المتعلقة بالتربية الدينية والفلسفة، كما سميت معظم هذه الإصلاحات بأسماء الوزراء الذين أشرفوا على صياغتها.