مسافة بين كتابين: الخيال في مكايدات مهنية ومعارك سياسية

في البدء كان الشر، مع بلوغ أول أخوين مبلغ الرجال، قبل تفكير الحاقد في عاقبة الشر وآثاره، هكذا قتل قابيل أخاه الطيب قبل أن يتدبر كيف يواري جثته، ثم أخذ الحكمة من غراب. لم نعرف مصير قابيل، وهل كانت له ذرية؟ ذلك سؤال أهملته الحكاية، ولن نخطئ رؤية خلفه، أجيال وراء أجيال لا تتورع عن ارتكاب الشرور، بل إن بعضهم يتفننون في «الشر للشر»، حسدا من عند أنفسهم، ولو لم يستفيدوا منه، وربما من غير أن يباهوا بمواهبهم الشريرة.
في التنافس المهني تكمن أحقاد خفية ومعلنة، ضعف بشري لا يستثني مهنة، بما في ذلك تلاوة القرآن الكريم. يروي الشيخ مصطفى إسماعيل أن القصر الملكي العراقي دعاه هو والشيخ أبو العينين شعيشع، لإحياء ليالي العزاء في وفاة الملكة عالية. وتعمد أحدهم إخفاء الدعوة، واتصل بالشيخ عبدالفتاح الشعشاعي الذي سافر بصحبة الشيخ شعيشع. يذكر كمال النجمي في كتابه «الشيخ مصطفى إسماعيل.. حياته في ظل القرآن» أن الرجل اكتشف المكايدة بعد عودة زميليه من بغداد، منشورة في مجلة «الإذاعة»، ولم يعلق بشيء.
لا يملك الإنسان المتحقق إلا التعفف، والإعراض عن الجاهلين؛ فالحياة قصيرة، وطاقة البشر محدودة، وليس من الحكمة إهدارها في سخافات. وكان الشيخ مصطفى إسماعيل مترفعا، وربما معتادا على استهدافه بسبب شهرته ومحبة الناس له، ولا ينسى أنه كان يقرأ في سرادق بحي شعبي في القاهرة، «وكان أحد المشايخ ذوي الشهرة قد اتفق مع مجموعة من مريديه الأقوياء على أن يأتوا من خلف السرادق فجأة، ويوقعوا الشيخ مصطفى من فوق الدكة وهو مندمج في القراءة لا يشعر بهم!». علامة التعجب وضعها كمال النجمي الذي نقل عن الشيخ قوله، باطمئنان المؤمن، إن صديقا علم بما يدبره الشيخ الآخر، فسارع إلى دعوة أصحابه إلى حراسة السرادق، وحماية الشيخ مصطفى، «ولم يجرؤ مريدو الشيخ المشهور على تنفيذ ما أمرهم به».
في التناوش السياسي المصري وقائع قريبة العهد، وبعضها ذو طابع فكاهي. عبدالحليم قنديل كان ضحية لإحداها، ردا على انتقاداته الدائمة لمشروع توريث حكم مصر لجمال مبارك. في 8 يونيو 2003 تساءل في صحيفة «العربي الناصري»: «من هو العبقري المسؤول عن تعليق أول ملصق مبايعة لجمال مبارك رئيسا لمصر؟!»، ثم تساءل: «ما هو الوضع الدستوري لأدوار حرم الرئيس مبارك؟!»، فتعرض لنوع مبتكر من التحرش السياسي، بقيام مجهولين بخطفه. كنا في رمضان ولم تقيد الملائكة أولئك الشياطين بالسلاسل، واقتادوه إلى جبل المقطم، وسطوا على تليفونه، ونزعوا ثيابه واختفوا. ومشى عاريا لا يعرف مكانه، ولا إلى أين يمضي؟ ثم رآه جندي عابر، فانزعج من الرجل العاري الخارج من ليل الصحراء، وطمأنه قنديل، ومنحه الجندي ثيابا رجع بها إلى البيت.
صلابة الواجهة الخادعة للبناء الاستبدادي تخفي هشاشة لا تحتمل عقد ندوة ثقافية أو نشر كتاب. لم يندهش الدكتور عبدالوهاب المسيري المنسق العام للحركة المصرية من أجل التغيير (كفاية) من إلغاء ندوة عنوانها «النكتة السياسية»، في ساقية الصاوي بالقاهرة، قبيل موعدها. في تلك الأيام عانى نظام حسني مبارك حساسية مفرطة، وهو لا يخطئ الشعور بالخشبة في عينيه، ولا يقوى على نزعها. وبدلا من مواجهة نفسه بحقيقة انتهاء عمره الافتراضي، واصل صنوفا من البطش الناعم، ففي يناير 2008 قاد المسيري مظاهرة، فدفعوه مع كثيرين إلى صندوق سيارة مصفحة، ثم تركوهم في الصحراء.
في كتابه «مذكرات في السياسة المصرية» يسجل الدكتور محمد حسين هيكل وقائع «سياسية» تدرج في باب المسخرة، ورغم شحنة الضحك فهي تؤكد قصور الخيال السياسي طوال نحو تسعين عاما، فنحن الآن في عام 1930، وقد عين «عدو الشعب» إسماعيل صدقي رئيسا للوزراء، وبادر بإلغاء دستور الشعب، واستبدل به «دستور الملك»، وعادى الجماعة الوطنية، ولم يسلم من عداوته رفاقه السابقون في حزب «الأحرار الدستوريين»، وصادر الحريات وأغلق الصحف، ولم تكن صحيفة «السياسة» لسان حال حزبه القديم استثناء فقرر تعطيلها. واتفق الحزب مع جاد بطرس جاد صاحب صحيفة «الفلاح المصري» على صدور الصحيفة متضمنة «المقالات بأسمائنا»، وانتبه إسماعيل صدقي لهذه الحيلة، وعطل «الفلاح المصري». وأصدر الحزب صحيفة ثالثة عنوانها «الأحرار الدستوريون» فمنعها أيضا.
تعطيل الصحف إجراء استبدادي يفهم في ضوء تعقيدات إدارية تُستدعى من أضابير البيروقراطية ولا تستدعي الضحك. ولكن الدكتور هيكل يورد ما لم يرد بخيال المتنبي القائل «وكم ذا بمصر من المضحكات، ولكنه ضحك كالبكا». ليس من المضحكات أن يسعى رئيس حزب الأحرار الدستوريين محمد محمود إلى لعب دور المعارض الجسور عام 1930، وكان يؤدي بجدارة دور الدكتاتور عام 1928، ففي اليوم التالي لتعيينه رئيسا للوزراء، تعيين لا انتخاب بعد إقالة وزارة منتخبة رئيسها مصطفى النحاس، قرر محمد محمود ذو اليد الحديدية تأجيل انعقاد البرلمان لمدة شهر، وقبل نهاية الشهر استصدر أمرا ملكيا بحل البرلمان، وتعطيل الحياة النيابية ثلاث سنوات قابلة للتجديد.
في عام 1930 حاولت القوى الوطنية التصدي لاستبداد صدقي «عدو الشعب»، بالالتحام بالقواعد الشعبية، عبر تنظيم جولات في الأقاليم بحضور شخصيات ذات ثقل رمزي ورؤساء أحزاب، لدعوة الجماهير إلى المقاطعة والمقاومة، وكانت مدينة طنطا إحدى المحطات، وتقرر السفر بالقطار، وفوجئوا بإغلاق المحطة، ومنعهم البوليس من الدخول، فدعا محمد محمود أنصاره إلى فتح الباب بالقوة، وتمكنت الكثرة من التغلب على قوات البوليس، واندفعوا إلى أماكنهم في القطار الذي تأخر نصف ساعة عن موعد التحرك. ثم وقعت مناورة أقرب إلى الاحتيال، بتقسيم أوصال القطار، ويقول هيكل في مذكراته «جرّت القاطرة العربات المتصلة بها قبل عربتنا، ثم جاءت قاطرة أخرى جرت عربتنا وحدها وانطلقت بنا إلى طريق غير طريق طنطا، ثم ألحقت قاطرة ثالثة العربات التي بعدنا بسائر العربات»، وفوجئ الزعماء بعربتهم في صحراء العباسية، ثم تحركت العربة إلى جنوبي الجيزة، وصاروا خارج القاهرة، وشعر الكثيرون بعدم الجدوى، «لكن محمد محمود باشا ومصطفى النحاس باشا أصرا على أن نبقى بالقطار لا نبرحه… وبقينا بالقطار حتى ولى النهار»، وقد جذب الحادث انتباه الجماهير والصحف التي كتبت عن خطورة ما جرى.
لم يتطور الخيال كثيرا، باستثناء مناورات اللجان الإلكترونية.