في الموصل.. شباب متطوعون يسهمون في إعادة الحياة للمدينة

محاولة من أجل إنقاذ ما تبقى من تراث عراقي تحت ركام تنظيم الدولة الإسلامية.
الاثنين 2018/05/28
إرهاب داعش يغتال التاريخ

الموصل (العراق) – وسط ركام الموصل وجدت مجموعة من طلبة وطالبات الجامعات العراقية ما يستحق الاهتمام، فهم يعملون على إنقاذ ما تبقى من تراثها الغني وذلك برفع الركام وتوزيع المساعدات في مدينة تئن بالشكوى طلبا للعون بعد الحرب على داعش.

بدأ المشروع عندما قررت رغد حمادي ومجموعة من الطلبة بدء حملة للمساعدة في إعادة بناء المكتبة المركزية بجامعة الموصل والتي تعرضت للحرق والقصف خلال الحرب وكادت محتوياتها الهائلة أن تندثر.

غير أن المجموعة عثرت تحت طبقات الركام والرماد على حوالي 30 ألف كتاب لم تمس بسوء تقريبا. وعلى مدار 40 يوما في عز الحر والحرب التي لا تزال تستعر في الشطر الآخر من المدينة حيث ينقل الطلبة الكتب كتابا كتابا مستغلين الفتحات التي أحدثتها الصواريخ لأخذها إلى برّ الأمان.

وقالت رغد حمادي طالبة التمريض البالغة من العمر 25 عاما “أنا أعتبر عملي بالمكتبة هو من أعظم ما صنعته في حياتي. فالموصل مدينة عريقة وقديمة، بها آثار وحضارة مثل جامع النبي يونس ومنارة الحدباء وهما من أقدم المعالم الموجودة فيها”.

وأضافت “هذا تاريخ حضارة عظيمة يجب أن نحافظ عليه”. وقد تعرضت منارة الحدباء المائلة وهي جزء من جامع النوري الكبير للتدمير في الحملة العسكرية لاستعادة المدينة. وكان أبوبكر البغدادي زعيم تنظيم الدولة الإسلامية قد أعلن من الجامع النوري قيام دولة الخلافة ومن المعتقد أن المقبرة القديمة تضم رفات النبي يونس. وتقول رغد “بعض الكتب التي تم إنقاذها مخطوطات بخط اليد لعلماء الموصل”.

ومن الكتب ما كُتب باللهجة المصلاوية (الموصلية) التي تتميز بها تلك المنطقة التي كانت مركزا لعلماء الإسلام ومفخرة بمساجدها وكنائسها وبعمارة مدينتها القديمة.

وفي مواقع أخرى عمل المتطوعون على رفع الركام والنفايات وفتح الطرق وحفر آبار المياه وتوزيع المساعدات. وقالت رغد “الوضع بالموصل الآن أحسن بكثير من السابق بسبب ثورة أبنائها وشبابها. فالمدينة تغيرت من خلالهم”.

من الكتب التي تم إنقاذها ما كتب باللهجة المصلاوية (الموصلية)، التي تتميز بها تلك المنطقة التي كانت مركزا لعلماء الإسلام

وبعد المعاناة تحت الحكم الصارم الذي فرضه داعش ثم حرب استعادة المدينة تشعر الشابات وكأنهن تحررن.

كان الفريق الذي انطلق لإنقاذ الكتب مؤلفا من الفتيات والفتية وهو أمر نادر في مجتمع الموصل الذي يعد فيه اختلاط الجنسين خارج إطار الأسرة أو الجامعة أمرا محدودا حتى قبل مجيء التنظيم. وقالت رغد “هذا شيء إيجابي فمن خلال هذه الأزمة تعاون كلا الجنسين في موضوع معين وفي اتجاه تحقيق هدف واحد، وهو ما أزال حاجزا في غاية من الأهمية بالنسبة لسكان الموصل”.

وبعد أشهر من إعلان العراق السيطرة الكاملة على المدينة عادت الحياة إلى بعض مناطقها. غير أن جانبا كبيرا من المدينة القديمة التي شهدت آخر المعارك وأكثرها دموية لا يزال مدمرا بالكامل.

وقال ضياء الطاهر الذي يساعد في إصلاح المنازل إن أغلب الناس عادوا رغم فقرهم إلى أحيائهم التي تم رفع الركام منها. ورغم ذلك توجد مناطق مهجورة بالكامل. وتنتشر فيها الجثث تحت الأنقاض.

وقال الطاهر (30 عاما) “من المحتمل أن يؤذينا الفقر أكثر في مرحلة ما بعد داعش إذ أصبحت المدينة فقيرة ولا حل بالنسبة لنا غير البحث عن عمل”.

ويضيف الطاهر أن هدفه هو إصلاح ألف بيت وأنه أتم حتى الآن إصلاح 75 منزلا بالاعتماد على تبرعات السكان المحليين وحدهم. وكثيرا ما يستوقف السكان الطاهر لطلب العون. ويشير الطاهر إلى بيت منهار حيث قُتل كل سكانه.

وقال وهو يخطو فوق سيل متدفق من مياه الصرف الصحي قسم الطريق إلى نصفين “الأغراض المتبقية في المنطقة تُقدّم لشخص يرغب في بيعها ويوزعها في سبيل الله”.

وكانت مروة الجبوري المطلقة ذات الخمسة والعشرين عاما من أوائل المتطوعات بمجرد نجاتها هي وأسرتها من القتل، وقالت “لم نتخيل أصلا أن ننجو بحياتنا. في ساعات الفجر الأولى وصلنا إلى أهالينا لكن هناك الكثير من المفقودين”.

ولفتت إلى أن الظروف القاسية التي مرت بها حفزتها على فكرة العمل وعدم الاستسلام لواقعها المرير.

وتقول إنه كان عليها أن تتغلب على نظرة المجتمع لها كامرأة مطلقة من أجل تنفيذ هذا العمل. وهي تدير أنشطة للأطفال وتساعد في تنسيق الحصول على الرعاية الصحية والمعدات المطلوبة لاحتياجات الأسر. ونظم فريقها فتح حديقة كانت تستخدم من قبل ساحة للتدريبات العسكرية للمقاتلين الذين حكموا المدينة ثلاث سنوات.

وأوضحت مروة التي لا تزال صور ليلة هروب الأسرة تطاردها أن الناس يحتاجون المساعدة للتغلب على الأثر النفسي حتى إذا أعيد بناء الموصل. وتضيف “الفكرة ليست في إعادة إعمار المدينة فقط بل بالارتقاء بفكرنا حتى نستطيع أن ننهض بالعراق”.

6