ثراء الحضارات القديمة.. أبواب تونس تروي حكاياتها

أسس العرب المسلمون مدينة تونس على أنقاض بلدة قديمة في القرن الثامن ميلادي، وأصبحت عاصمة لأفريقية سنة 1160م، هي اليوم بهيئة لم تتغير كثيراً منذ القرن الثامن عشر للميلاد، متميزة بنسيج عمراني كثيف وشبكة طرقات وأزقة بين منازل ذات أفنية متلاصقة ببعضها البعض.
في "المدينة العتيقة" التي يطلق عليها التوانسة أيضاً "المدينة العربي"، تتوالى الجدران سميكة عبر الشوارع والأزقة، الممتدة حيث تتميز القصور عن بقية الديار بأبوابها الفخمة، ذات العضائد المبنية من الحجر المنحوت والمزركشة بالمسامير الداكنة، حافظة للكثير من تاريخ المدينة الموغل في القدم، رغم التقلبات والمستجدات التي طرأت عليها وهو ما يؤهلنا للقول أن من يريد الدخول إلى ذاكرة تونس، ما عليه إلَّا أن يأتيها من أبوابها.
كانت مدينة تونس أو "ترشيش" قديماً، تمثل مركزاً فينيقياً معاصراً للعاصمة القديمة أوتيك (شمال تونس)، ولما تأسست العاصمة الجديدة "قرطاج" سنة 814 قبل الميلاد، أصبحت "ترشيش" تابعة لها. واستمرت كذلك في عهدي الرومان والبيزنطيين، حتى الفتح العربي الإسلامي، عندما نقل قائد الفتوحات في أفريقية حسان بن النعمان الأزدي الغسَّاني، سكان قرطاج إلى تونس، فأصبحت منذ العام 78 للهجرة، عاصمة ثانية بعد القيروان.
ويمكن تتبع تطور المدينة من حكايات أبوابها التي تلفت انتباه المرء إذا ما تجول عبر أحياء مدينة تونس القديمة أو في الأحياء العريقة للمدينة العصرية، فأبواب الدور ومختلف المباني قديمها وحديثها تمتاز بتنوعها في الأشكال والألوان والزخرف.
الأميرة الأسبانية وباب "الخوخة"
وكما عرفت العمارة في تونس تطورا مستمرا متأثرة بالقادم الجديد، فقد عرفت الأبواب كذلك تغييرات عديدة في الأشكال والألوان والزخارف، وقد وصفها الجغرافي الأندلسي أبو عبيد البكري في القرن الحادي عشر ميلادي بقوله: "إن أبواب كل المنازل محاطة بالرخام الجميل فكلتا القائمتين تتكون من قطعة ثالثة".
|
وهذا النمط المعماري "التقليدي" الذي يعود إلى العصور القديمة مازال قائم الذات، ويتميز ببساطة شكله وسهولة إنجازه بالمقارنة مع النمط المتمثل في إحاطة الباب بقوس منكسر، أو في شكل نعل الفرس الذي انتشر منذ العهد الحسيني (القرن الثامن عشر ميلادي).
وسواء أكانت أبواب الدور في المدينة مستقيمة أم مقوسة، فإنها محاطة بإطارين من الحجارة لهما لونان؛ الأول من الحجارة الكلسية ذات اللون الفاتح المزخرفة بنقوش دقيقة، والثاني يكون من الحث المزخرف بلون أدكن، وتكتمل "حلية" الواجهة بباب ذي مصراعين كبيرين مزخرفين بمسامير سوداء مستديرة مثبتة في أشكال هندسية جميلة في خشب الباب الذي يكون عادة مطليا بالأصفر، أو بالأزرق. وتكون النوافذ في الغالب، صغيرة الحجم تحميها قضبان من الحديد ذات خرجات مكرشة على النمط الأندلسي. أما الفتحات العريضة فهي في شكل "نينارية" أي في شكل رواق خارجي تحيط به مشربية من الخشب الدقيق الذي يستر من في الدار ويسمح بالرؤية دون أن يرى من وراءه.
وفي القرن السابع عشر ميلادي، تميزت الأبواب بوجود فتحة تحيط بها قطع رخامية مستطيلة الشكل يعلوها قوس أسفله قطعة رخام أفقية، ولعل أبرز شاهد على هذه الفترة في المدينة العتيقة "دار عرافة"، أما أبواب القرن الثامن عشر فقد تميزت بكثافة الزينة والزخرف سواء من حيث الحفر والنقش أو باستعمال المسامير عند جانب كل قطعة رخام مستطيلة يعلوها قوس "دار المنستيري".
تعريب الأشكال المعمارية الأوروبية
ومع بداية عهد الاحتلال الفرنسي في النصف الثاني من القرن التاسع عشر شهدت مدينة تونس نشأة حي جديد يستجيب لمبدأ تنظيمي لا عهد للمدينة به من قبل. وسرعان ما تم اعتبار هذا الحي مدينة جديدة نعتت بأنها "المدينة العصرية" أو "الأوروبية" بالمقارنة مع "المدينة العربي" التي أصبحت تعرف بـ"المدينة العتيقة". غير أن المدينة العصرية حافظت على خصائص الفن المعماري المحلي. كما عرف التراث المعماري العربي، آنذاك، نمطاً معمارياً سمي بـ"المورسكي الحديث" أو "المعرب" وهو يتمثل في تعريب الأشكال المعمارية المنقولة من أوروبا، يأخذ من المعمار المحلي تراثه الزخرفي ليكسو به المباني التي ينشئها والتي بقي تخطيطها على النمط الأوروبي.
زخارف متناغمة مع لغة الألوان
وعدا الأبواب ذات الألوان المذكورة تشد نظر المتجول أبواب أخرى تجمع بين الأحمر والأخضر والأبيض، ألوان السنجق (العلم) زمن حكم الحفصيين لتونس (1229 – 1574م).
وتمتاز أشكال أبواب تونس كذلك بزخارفها المتميزة، وتبين دراسة أشكال الزخرفة المرسومة والمنحوتة على خشب الأبواب وجود تأثيرات متعددة، منها ما هو أندلسي الأصل، ومنها ما يبدو عثماني المصدر، كما توجد تأثيرات أوروبية إيطالية، غير أن أغلب الزخارف والتزويقات بالمسامير ترجع إلى عادة أندلسية. ويتكفل بعملية تزويق الأبواب في العادة، صانعو الأقفال، ويسمون في تونس "الكوباجية".