"الغرفة" عائلة يحطمها الطمع والشهوة إلى المال

المخرج كرستيان فولكمان يقدم في فيلم "الغرفة" بناء مكانيا حافلا بالمفاجآت عبر جمع متقن بين ثيمتي الخيال العلمي والجريمة.
الاثنين 2019/10/28
مفاجآت لا تنتهي

الكل يتذكر أفلام الرعب ذات النمط الإنكليزي، وهي تدور في قصور معزولة وسط الأحراش والغابات، حيث تكون مسكونة بالأرواح وما إن يحل الليل حتى تبدأ الأسرار تتدفّق من الغرف التي تتحول غالبا إلى صندوق باندورا لا تنتهي عجائبه، والفيلم الفرنسي “الغرفة” لمخرجه كرستيان فولكمان لا يحيد عن هذه الثيمة.

استخدام قوة المكان وما يخفيه ودلالته وهيئته لطالما كان إحدى الأدوات التي يلجأ إليها السينمائيون، وخاصة في أفلام الرعب وأفلام الجريمة. وانطلاقا من عنوان الفيلم “الغرفة” لمخرجه كرستيان فولكمان سيكون المكان هو محور الأحداث، وسوف تتحوّل جغرافية المكان إلى عالم مجهول علينا اكتشافه تباعا. هنا سوف تظهر الأشباح وتبدأ عمليات الترهيب والقتل وإرعاب الناس، كما ينطلق الزمن حابسا لأنفاس جمهور المشاهدين.

و”الغرفة” يقدّم تلك النواة المكانية التي سوف يتأسس من خلالها سرد فيلمي يقوم على ثنائية الرعب والخيال العلمي.

ليس أمامنا سوى شخصيتين هما الزوج مات (الممثل كيفن جانسينز) والزوجة كيت (الممثلة أولكا كيرلينكو)، وهما يدخلان لأول مرة المنزل الذي اشترياه، وها هما يقومان بتنظيمه ورمي أكوام من الأثاث القديم وما إلى ذلك.

ومن بين غرف ذلك القصر القديم هناك غرفة يعثر مات على مفتاحها بالصدفة، مفتاح أقرب إلى الصليب، يدخل الغرفة المعتّمة فينقطع التيار الكهربائي ويعود وهو يتمم شرب زجاجة الخمر التي بين يديه، ثم يردّد مع نفسه ولكن بصوت عال “ياليتني أحصل على زجاجة ثانية” وما هي إلا ثوان حتى تأتيه الزجاجة، لكن من أين؟ ومن الذي جلبها؟ ذلك سؤال من دون جواب، وساعتها يتيقّن مات أنه بمجرد دخوله إلى تلك الغرفة فإن بإمكانه طلب ما يشاء.

تعلم الزوجة بالموضوع فتبدأ بطلبات لا تنتهي من أموال ومجوهرات وملابس وأثاث، لكن المفارقة تكمن في أن كل تلك الطلبات لا يمكن أن ترى النور في الخارج، فبمجرد أن تخرج خارج القصر تتحول إلى رماد.

أسرار قاتلة
أسرار قاتلة

المكان الكلي، الذي هو القصر ثم المكان الجزئي الذي هو الغرفة اللغز، يكملان بعضهما وشبكات كثيفة وعجيبة من الأسلاك تتوزّع في كل ركن من أركان المكان تكمل المنظر، وما يحويه المنزل، ثم تأتي رسوم مات وهو فنان تشكيلي لتكمل المهمة.

وفي تحوّل درامي ملفت للنظر وعلى درجة عالية من الفطنة، يتم بث حبكة ثانوية وهي أن الزوجة تحاول الهروب من كوابيس الإجهاض الذي مرّت به ولمرتين قاسيتين.

تقرّر كيت منح فرصة لنفسها بأن تطلب طفلا رضيعا من الغرفة، وبالفعل يتم منحها ما أرادت وهنا يقع انقلاب حاد في مسار الدراما. فمات يرفض قبول الطفل لأنه طفل اصطناعي، بينما تجد فيه كيت تسرية لحزنها الأمومي.

في موازاة ذلك، يكتشف مات الحقيقة الصادمة، أن هذا المنزل شهد جريمة قتل وأن القاتل هو الابن، ويتمكّن مات من الوصول إليه في السجن، ولدى مقابلته يطالب مات بالخروج من المنزل فورا قبل أن تقع الكارثة نفسها.

تتعلق كيت بشدة بالطفل في مقابل جفاء مات منه، لكن الطفل وبمرور الزمن يزداد شراسة حتى إذا خرج إلى النور سيكبر عدة سنوات ولو بقي مدة أطول فسوف يصل إلى مرحلة الكهولة ثم الفناء.

المكان الكلي، الذي هو القصر ثم المكان الجزئي الذي هو الغرفة اللغز، يكملان بعضهما وشبكات كثيفة وعجيبة من الأسلاك تتوزّع في كل ركن من أركان المكان تكمل المنظر

هكذا تقع الكارثة بالفعل، إذ ينتصر الطفل شين لأمه على حساب أبيه، ثم ينتقلان إلى مرحلة جديدة من الصراع شديد الشراسة بين شين ومات، ومن ثم اعتداء شين وهو شاب على كيت وهكذا تتوالى الأحداث بشكل متسارع.

ليس بإمكان الزوجين إعادة الطفل إلى أمه المجهولة في عتمة تلك الغرفة، ومات لا يستطيع مقاومة مشاعر أم مكلومة، كما تعجز الأم كذلك، ليتحقّق وجود عدوهما الذي سوف يدمّر حياتهما.

ليس في هذه الدراما المفعمة بالحياة سوى شخصيتين هما الزوج والزوجة ثم يحل الابن الافتراضي، وعلى الرغم من محدودية المكان المليء بالأسرار إلاّ أن المشاهد لن يشعر برتابة التكرار ولا بنمطية أداء الشخصيات، بل إنها تخوض صراعا لا يريد أن ينتهي، وخاصة مع بلوغ شين سن الرجولة وقد أصبح شديد الشراسة والعدوانية ومستعدا للقضاء على أي شخص يقف في وجهه.

جاء الفيلم حافلا بالعديد من المشاهد والمواقف المؤثرة، وخاصة لجهة كيت المحطمة نفسيا والتي تفتقد لطفل وقد أجهضت أكثر من مرة، ليكون طفل الغرفة المعتمة ابنا بديلا شاهدته وهو يكبر في أحضانها.

ويمكن أيضا الحديث عن مجمل العناصر الفنية في هذا الفيلم التي بدت متكاملة في العديد من المشاهد المليئة بالحركة والحياة والتي تثير المزيد من التساؤلات، فضلا عن الأسلوب الذي جمع بين طاقة الخيال العلمي وبين العنف والجريمة والرعب ليقدم لنا في المحصلة بناء مكانيا حافلا بالأسرار والمفاجآت.

16